لم تسفر نهاية عام جديد في السودان عن تسوية سياسية تنهي الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.
وتتداخل في الأزمة عوامل عسكرية داخلية وتأثيرات إقليمية ودولية.
شهد العام أحداثاً عديدة شغلت الساحة السودانية وأثارت تفاعلاً على منصات التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع تفاقم الأزمات الإنسانية والصحية والاقتصادية في ظل واقع سياسي مسدود.
وفي مارس استعاد الجيش السيطرة على القصر الجمهوري ومواقع سيادية أخرى، منهياً بذلك سيطرة قوات الدعم السريع على هذه المراكز الحيوية.
وشكلت هذه العملية نقطة تحول هامة، حيث أعادت الجيش إلى قلب العاصمة بعد أشهر من سيطرة الدعم السريع على مواقع حساسة.
إلا أن ذلك لم يخفف من معاناة السكان.
وبدت الخرطوم منهكة، بأحياء شبه خالية، وخدمات أساسية متوقفة، ومرافق عامة مشلولة.
ورغم أن الانتصار العسكري كان ملموساً، إلا أنه يمثل خطوة أولى في مواجهة التحديات الكبيرة لإعادة الحياة المدنية وبناء الدولة.
وفي أكتوبر، أدى سقوط الفاشر إلى إنهاء الوجود العسكري الحكومي المنظم في شمال دارفور إلى حد كبير، وأعاد الإقليم إلى واجهة الصراع.
تبع ذلك تصاعد الانتهاكات ضد المدنيين، بما في ذلك القتل والنهب وتدمير المنازل والبنية التحتية، والتي نفذتها قوات الدعم السريع وفصائل متحالفة معها.
دفعت هذه الانتهاكات آلاف الأسر إلى النزوح داخلياً وخارجياً، في ظل غياب الحماية المدنية وسيادة القانون.
يمثل إقليم دارفور، كما يصفه الكثيرون، “الجرح المفتوح في جسد السودان”، وعاد ليذكر الدولة والمجتمع بأن الحرب لم تنتهِ بعد.
ومع استمرار القتال، تفشت أوبئة الكوليرا وحمى الضنك والملاريا في عدة ولايات.
وانهارت المستشفيات والمراكز الصحية تقريباً بسبب نقص الأدوية والمستلزمات الطبية.
وزاد تلوث المياه وتكدس النازحين الوضع سوءاً، لتصبح الأوبئة تهديداً صامتاً يقتل مثلما يقتل الرصاص.
ووصف البعض ما يجري بأنه “حرب جرثومية”، في تعبير يلخص حجم الخوف والذهول، في بلد لم يعد فيه الموت حكراً على فوهات البنادق، بل قد يأتي من كوب ماء ملوث أو لدغة بعوضة.
وفي سبتمبر شهد السودان فيضانات واسعة على مجرى النيل الأزرق، مخلفة أضراراً بشرية ومادية جسيمة.
أعاد هذا الحدث إلى الواجهة جدل سد النهضة الإثيوبي، وكشف عن ضعف التنسيق الإقليمي وفقدان الدولة القدرة على حماية مصالحها المائية، في ظل انشغالها بالقتال الداخلي.
وفي مايو شهد العام تعيين رئيس وزراء مدني، في محاولة لإحياء المسار السياسي ومنح الحكومة واجهة مدنية.
إلا أن تأثيره ظل محدوداً أمام استمرار الحرب وسيطرة المعادلة العسكرية على القرار.
واقتصادياً، استمر التدهور، فتراجعت قيمة العملة، وتوقف الإنتاج، وتآكلت المؤسسات المالية.
في المقابل، برزت المنصات الرقمية كمرآة وحيدة لمتابعة الأحداث ونقل صرخات الناس.
ومع نهاية عام 2025، يبدو السودان عالقاً في حرب بلا حسم وسلام بلا أدوات.
وتتغير موازين القوة ميدانياً، لكن الحل السياسي الشامل يغيب.
ويبقى السؤال مطروحاً: هل يستطيع السودان كسر حلقة الانتظار، أم أن استمرار الأزمة بات يفوق قدرة الدولة والمجتمع على الاحتمال؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك