تشهد الساحة السودانية تصاعداً مقلقاً في توظيف أدوات ما يُعرف بـ«القوة الناعمة» من صحافة وفن، ليس في خدمة قيم التنوير وحقوق الإنسان، وإنما بوصفها منصات للتحريض وتبرير الانتهاكات ومصادرة الحقوق الدستورية.
فقد تحوّل بعض الصحفيين والفنانين من أدوارهم المهنية والأخلاقية المفترضة إلى أدوات لإنتاج خطاب الكراهية، وتسويغ القمع، والتشفي من الخصوم السياسيين، بما يهدد أسس المواطنة المتساوية والسلم الاجتماعي.
ويبرز هذا التوجه بوضوح في ممارسات إعلامية استهدفت حقوقاً شخصية ودستورية، من بينها واقعة الصحفية رشان أوشي التي سخرت، عبر منصتها، من حق قانوني أصيل يتعلق باستخراج الوثائق الثبوتية.
إذ تناولت بسخرية محاولة القيادي في قوى «صمود» شريف محمد عثمان تجديد جواز سفره بالسفارة السودانية في الدوحة، مشيرة إلى أنه توجّه للسفارة لتجديد جوازه فأُبلغ بأنه «محظور»، وحينما احتج بأن قدومه استند إلى توجيه من الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قيل له إن السفارة لم تتلقَ أي قرار رسمي بهذا الشأن.
وفي حديث حصري لموقع «التغيير»، أكد شريف محمد عثمان صحة الواقعة، موضحاً أنها حدثت بعد توجيه البرهان بعدم حرمان أي مواطن من أوراقه الثبوتية.
وقال إن سفارة السودان في الدوحة رفضت تجديد جواز سفره، وأبلغه موظف رسمياً بعدم وصول أي قرار برفع القيود المفروضة على إصدار الوثائق.
واعتبر أن ما جرى يعكس نهجاً صحفياً وإدارياً يكرّس لاستخدام مؤسسات الدولة، ووثائق الهوية، كأداة للعقاب السياسي والتنكيل بالخصوم، بدلاً من حماية حق المواطنة المتساوي.
وقال شريف محمد عثمان إن الحرمان من إصدار وثائق السفر إجراء تعسفي يهدف إلى تقييد حركة الفاعلين السياسيين والناشطين المجتمعيين والنقابيين، ويجسّد استخداماً لحق دستوري في معركة سياسية، وهو ما يكشف – بحسب تعبيره – عن بؤس متخذي القرار وإجرامهم وتجاوزهم لكل حدود الاختلاف السياسي المشروع.
وأكد أن وثيقة السفر حق دستوري مكفول لكل مواطن سوداني لا يجوز مصادرته أو تعطيله.
وأضاف أن هذه الإجراءات طالت، وبكل أسف، مئات السودانيين، وربما آلافاً، على أسس تتعلق بالهوية أو الانتماء السياسي أو الجهوي، وأثّرت بصورة مباشرة على حياتهم.
وأشار إلى أن منعه من تجديد جوازه ترتب عليه ضرر شخصي وأسري، إذ تقيم زوجته وأطفاله في بلد، بينما يقيم هو في بلد آخر، فضلاً عن أن تعذر تجديد الإقامة قد يعرّضه لوضع قانوني مخالف لقوانين بلد الإقامة.
وأوضح أن السبب القانوني الوحيد الذي يمكن أن يبرر تعطيل إصدار الوثائق الثبوتية أو جواز السفر هو إسقاط الجنسية، وهو إجراء تحكمه حيثيات قانونية محددة لا تنطبق على أي من المحظورين من الفاعلين في العمل العام، ولا على من تم استهدافهم على أسس إثنية أو جهوية.
ولفت إلى أن الطعن في مثل هذه القرارات يتطلب المثول أمام المحكمة الدستورية، وهي غير مُشكلة حتى الآن، إضافة إلى انعدام الثقة في المؤسسات العدلية بالسودان، التي قال إنها تخضع لسيطرة عناصر الحركة الإسلامية وتفتقر إلى الاستقلالية.
وأكد شريف محمد عثمان أن الحقوق تُنتزع ولا تُمنح، مشدداً على استمراره في العمل مع كل السودانيين والسودانيات المتضررين من هذه السياسات، عبر العمل المشترك وفضح هذه الأساليب أمام الرأي العام، والسعي إلى محاصرة ممارسيها دولياً، وكشف ما وصفه بألاعيبهم وفسادهم واستبدادهم.
وقال إن معركة سلطة بورتسودان ليست، كما يُروَّج، مع الدعم السريع أو تعدد الجيوش، وإنما هي معركة ضد القوى المدنية وضد مبادئ ثورة ديسمبر المجيدة.
وفي سياق متصل، انتقل خطاب التحريض من حدود السخرية والتشفي الإعلامي إلى مستوى أكثر خطورة، تمثل في الدعوة الصريحة للعنف والتصفية الجسدية.
فقد أثارت الفنانة ندى القلعة جدلاً واسعاً عقب ظهورها في مقطع فيديو هددت فيه الثوار والمطالبين بالتحول الديمقراطي الذين خرجوا لإحياء ذكرى ثورة ديسمبر.
وقالت إن كل من يخرج في تظاهرات في ظل الحرب ينتمي إلى القوى المدنية «قحت»، مضيفة: «أقسم بالله لو آلت الأمور لأمثالنا أو كنتُ في موقع الحكم، لرأيتم ما نفعله بكم كما فعل هتلر أو هولاكو».
واعتبر متابعون أن هذه التصريحات لا تكتفي بوصم المتظاهرين السلميين بتبعية سياسية محددة، بل تستدعي رموزاً تاريخية ارتبطت بالمجازر والإبادة الجماعية، بما يشكل تحريضاً مباشراً على العنف، وانتهاكاً صارخاً لمسؤولية الفنان الأخلاقية، واعتداءً على الحق في التعبير والاحتجاج السلمي المكفول قانوناً وشرعاً.
ويتزامن هذا الخطاب الفني والإعلامي مع موجة منظمة يقودها صحفيون وإعلاميون يحرضون الأجهزة الأمنية بصورة مباشرة على استخدام القوة المفرطة ضد المحتجين السلميين، ويصنفون ممارسة الحق في التعبير والاحتجاج، في ظل ظروف الحرب، باعتبارها خيانة عظمى تستوجب الردع العنيف.
ويرى ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي أن هذا التحول في بنية الخطاب الإعلامي والفني يسهم في تغييب الرقابة الشعبية، ويوفر غطاءً أخلاقياً للمنتهكين، ويضع حرية الصحافة والفن في مواجهة مباشرة مع حقوق الإنسان.
كما يحوّل هذه الأدوات من وسائل للبناء والتنوير إلى أدوات لهدم السلم الاجتماعي وتعميق الانقسامات الوطنية، عبر نفي حق الآخرين في الوجود والتعبير والحصول على أبسط مقومات المواطنة، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى صوت العقل والالتزام بالحقوق الأساسية التي لا تسقط بالتقادم ولا تُعلَّق بذريعة الظروف الاستثنائية.
وفي الرأي القانوني المتعلق بحرمان الأستاذ شريف محمد عثمان من حقه الدستوري في تجديد جواز السفر السوداني، يرى المستشار القانوني بابكر مصطفى بورتبيل أن القضية، في جوهرها، ليست قانونية بقدر ما هي سياسية بحتة، وأن أي استئناف أو طعن بالنقض أو إجراء قانوني لن يكون ذا جدوى في ظل الواقع الحالي.
وأوضح أن القضاء السوداني، في تقديره، جهاز مسيّس يخضع بصورة كاملة للسلطة التنفيذية الانقلابية، ولا يتمتع حالياً بالاستقلالية أو النزاهة الكفيلة بإنصاف المتضررين.
وأشار إلى أن ما جرى لا ينفصل عن سياق أوسع من الانتهاكات، من بينها ما نُشر حول نزع منزل أسرة محمد الفكي سليمان بمدينة أم رواية، وفق ما أورده الصحفي الاستقصائي شوقي عبد العظيم، وهو مصدر موثوق، إضافة إلى سوابق قرارات صادرة عن النائب العام بفتح بلاغات وإصدار أوامر قبض ومنع من السفر بحق سياسيين وقادة رأي دون أي سند قانوني.
وأكد المستشار القانوني أن الواقع الراهن يؤكد، من وجهة نظره، غياب سيادة حكم القانون في ظل سلطة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وما وصفه بعودة «الكيزان» إلى أساليبهم القمعية المعهودة، من مصادرة للحريات ونزع للممتلكات الخاصة دون سند قانوني.
واعتبر أن الحل لا يكمن في اللجوء إلى قضاء يفتقر للاستقلال، وإنما في اقتلاع منظومة الظلم ومحاسبة كل من أجرم بحق الوطن والمواطنين، وإجراء إصلاح شامل يفضي إلى تطهير الجهاز القضائي والنيابة العامة من فلول النظام السابق.
وشدد على أن أي استئناف أو طعن قانوني لن يكون مجدياً في ظل غياب القانون نفسه، مؤكداً أن ما يُطبق حالياً هو «قانون الغابة» لا دولة المؤسسات.
ومع ذلك، عبّر عن يقينه بأن الظلم إلى زوال، وأن شريف محمد عثمان سينال حقه في جوازه الدبلوماسي وفق أحكام القانون في سودان يسوده حكم القانون والعدالة والحرية والمساواة.
وختم المستشار القانوني بابكر مصطفى بورتبيل، الضابط المتقاعد بالقوات المسلحة السودانية، وعضو القيادة المركزية العليا للضباط وضباط الصف والجنود المتقاعدين بالجيش والشرطة والأمن، بالتأكيد على أن شمس الحرية والديمقراطية والقضاء المستقل ستشرق مهما طال ليل الظلم، موجهاً تحاياه للأستاذ عثمان فضل الله، ومجدداً تضامنه مع كل المتضررين من هذه السياسات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك