بعد السؤال عن الشارع، لا يمكن تأجيل سؤال المدنيين أنفسهم.
ليس من باب جلد الذات، ولا بحثًا عن توازنات شكلية، بل لأن أي مشروع جاد للخروج من الحرب يصطدم، عاجلًا أو آجلًا، بهذه العقدة: مدنيون كُثُر، تجارب متراكمة، أصوات عالية، وسرديات متجاورة أكثر مما هي متحاورة.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: لماذا انقسم المدنيون؟فالانقسام مفهوم في سياق الصدمة، والانهيار، وتاريخ طويل من القمع وكسر الثقة.
السؤال الأهم هو: لماذا يتحول هذا الانقسام، في كثير من الأحيان، إلى سلوك يُعيد إنتاج منطق الحرب نفسه، لا منطق السياسة؟ما نشهده ليس خلافًا حول البرامج وحدها، ولا حول القراءة السياسية فقط، بل صراعًا خفيًا حول الشرعية الأخلاقية:
ومن يحق له أن يتكلم باسم الثورة أو باسم الضحايا.
وحين ينتقل الخلاف إلى هذا المستوى، لا يعود الهدف إدارة الاختلاف، بل نزع المشروعية عن الآخر.
وهنا تفقد السياسة وظيفتها، وتتحول إلى محكمة رمزية.
في علم النفس السياسي، يُفهم هذا التحول بوصفه انتقالًا من الصراع حول الأفكار إلى الصراع حول الهوية.
حين تضعف المؤسسات، ويتآكل الأفق، تبحث الجماعات عن يقين بديل.
وهذا اليقين لا يُبنى على الفعل المشترك، بل على تعريف الذات في مواجهة الآخر.
فيصبح الاختلاف تهديدًا، لا موردًا.
هذا ما يجعل تجربة انفصال كتل مدنية كانت تجمعها أرضية واحدة — مثل صمود وتأسيس — مثالًا مهمًا للفهم، لا للحكم.
فمن حيث الجوهر، هناك نقاط التقاء واسعة:
الاعتراف بأزمة الدولة السودانية،
لكن نقاط الاختلاف — في القراءة، في الترتيب، في تعريف الأولويات، وفي الموقف من بعض الفاعلين والسياقات الإقليمية — تحولت من خلاف سياسي قابل للإدارة إلى تمايز هويّاتي.
لم يعد السؤال: كيف نعمل مع اختلافنا؟بل: من يمثل الخيار الصحيح للتاريخ؟وهذا التحول ليس خاصًا بهاتين الكتلتين، ولا يعكس سوء نية، بل يعكس مأزقًا أوسع تعيشه الحركات المدنية حين تُجبر على العمل في فراغ دولة، وتحت ضغط حرب، ووسط شارع مُنهك.
التجارب المقارنة تخبرنا أن هذا النمط يتكرر.
في تشيلي، وفي كولومبيا، وفي بلدان خرجت من ثورات غير مكتملة، تحولت الخلافات داخل المعسكر المدني من نقاش حول “كيف نحكم” إلى صراع حول “من هو الأجدر أخلاقيًا”.
والنتيجة، في أغلب الأحيان، لم تكن انتصار تيار على آخر، بل إنهاك الجميع وفتح المجال لعودة القوة الخشنة.
العمل المشترك، تاريخيًا، لا يبدأ من التوافق الكامل، ولا من وحدة الخطاب، ولا من اندماج التنظيمات.
يبدأ من إدراك الخطر المشترك، ومن الاتفاق على خطوط لا يجوز كسرها، حتى في ذروة الخلاف.
لكن المفارقة أن هذا الخطر يُدار أحيانًا كخلفية، بينما يُدار الخلاف المدني كمعركة مركزية.
وهنا يظهر الفرق بين اختلاف يُغني السياسة، واختلاف يُفرغها من معناها.
الأول يقبل التعدد، ويترك الباب مواربًا، ويعترف بأن الحقيقة موزعة.
أما الثاني فيحتاج إلى خصم دائم ليبرر وجوده، حتى لو كان هذا الخصم مدنيًا مثله.
العمل معًا لا يعني الاتفاق على كل شيء.
ولا يعني الذوبان في كتلة واحدة.
يعني فقط نقل العلاقة من منطق التمثيل إلى منطق الوظيفة.
من يبني شبكات الحياة حيث غابت الدولة؟حين تُبنى العلاقة على الوظيفة، لا يعود السؤال: من أنت؟لهذا، لا تكون المبادرات المرتبطة بالحياة اليومية هامشًا للسياسة، بل قلبها.
هذه ليست أعمالًا “إنسانية” خارج السياسة، بل أفعال سياسية عميقة، لأنها تعيد السياسة إلى معناها الأول: حماية الحياة.
الخطاب المدني يفقد تأثيره حين يتحدث عن الدولة بلغة لا تشبه غيابها.
ويفقد صدقيته حين يطالب الناس بالصبر دون أن يعترف بثمن هذا الصبر.
الشارع لا يطلب كمالًا، ولا وحدة مصطنعة، بل صدقًا، وقدرة على العمل رغم الخلاف.
ربما لا نحتاج إلى جبهة مدنية واحدة.
لكننا نحتاج إلى حدٍّ أدنى من الانضباط الأخلاقي:
وعدم تحويل الألم إلى سلاح سياسي.
العمل المشترك في هذه اللحظة ليس مشروع خلاص شامل، بل إدارة ذكية للضعف، وتأجيل واعٍ للصراعات الكبرى، لصالح حماية ما يمكن حمايته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك