الشيخ السبعيني مرتديلا العراقي والسروال؛ وهو الزي الشعبي السائد في أواسط السودان وشماله، وتمامه بالعمامة فوق الرأس، والثوب معقوف (خلف حلاف) لباس الصلّاح النسّاك من أهل السلسلة أنقياء الصوفية وأقطابها قبل أن تجرفها المنافع، فيحيد نفر منهم إلى دروب السلطان طمعا أو رهبة.
ذاك الشيخ لم يحمل بندقية يقتل بها خبط عشواء، لم يسرج خيلا يغير بها على الآمنين سلبا ونهبا وترويعا، لم ينهب قرضا، أو يجنّب جنيها، أو يتاجر في دولار واحد، كما ولم يبتن دارا ذات أعمدة خرسانية مسلحة بالسيخ وارد السجانة، لم تمتد حدائق في داره بما حوت من يخوت وبرك تسبح فيها أسماك ملونة وصوالين وفرش ممدودة من تخوم اليابسة إلى تخوم النهر، كما لم ينشئ في الدار مسجدا يؤمه بعض علية تجار الدين في قشور زائفة واستثمار في عقيدة المسلمين.
الذهن الوقّاد الصافي، الروح الشفافة، جعلاه ينظر ويبصر في الإسلام سماحة وسلاما شاملا، ببصيرته نفذ إلى الجوهر المخبأ بركام التعود وكسل الذهن وجور الحكام، وتسلّط الفقهاء وجهالة تضل الطريق، حتى صار طريق محمد طريق العنف والاقتتال، وسبيل الله تزهق فيه الأرواح، فأراد رد القداسة للمعصوم والنجاعة للقرآن في صلاحيته لكل مقام وزمان.
نفذ إلى كنه التدين، وسلك في دروب العارفين بيقين وثبات، فغشته شجاعة الرأي، صدع بما يزوّر عن ذكره المترددين، خرج للناس مؤذنا بأن حيا على الإسلام في وجهه الإنساني الرفيع وهو ما يلائم بشرية القرن العشرين، ويدفع عنه شكوك المشككين وغشاوة جماعات الهوس التي تطرح الإسلام شعارا، وتنأى عنه سلوكا وممارسة، فجاءت كلمته الفيصل في مهزلة المحاكمة الجائرة بأن ما تزعمون تشويهاً للإسلام وإذلال للشعب، وليس من أصل الدين.
جاءهم بالفكر وهم عبدة للتلقين، هزّ راكد وعيهم، فخافوا على تمكينهم الدنيوي من نهوض الدين على حقيقته نبراسا يسير على نهجه من آمن بالله حقّا، وجعل النبي له أمام.
جاءهم بما يقابل المكرور؛ مما تدربت عليه أفانينهم من إيهام للناس وتضليل، وضعهم أمام مرآة الإسلام عراة، فنظروا إلى عورتهم، ولأنهم مكابرون مزايدون رأوا فيمن كشف الزيف عدو، استنهضوا كل الحيل، استخدموا القوانين، جيروا المحاكم ليشنقوا شيخا لم يحمل عصاة، بل صدع بالكلمة والندوة والمنشور، أراد نشر الوعي، في حين يقودون الناس إلى الجحور الخربة، يحشرون الناس ويصرفونهم عن التدبر والتأمل والتعقل والتفكر؛ مما دعا له رب العالمين في قرآنه المبين، نصبوا له المشنقة مستغلين جهل الحاكم الباطش وسوء البطانة والحاشية وضمورهم الفكري وخواءهم الروحي وبؤسهم الأخلاقي، فكانوا يهللون ساعة الشنق والجسد يطوح فوق العيدان، الروح ترتقي وهم ينحطون، لكنهم لا يشعرون.
مضى محمود محمد طه إلى ربه راضيا مرضيا عنه بإذن الله، فلم يشهد ضده أحد بكبيرة، ثم مضى الجلادون في غرورهم الزائف، ولكن الله كاشف الغمة بصير، ها هم الآن يترنحون رغم سطوتهم تحت سيف الفرعون، إنهم إلى بوار فيما الفكرة تنضج.
وأنّى لهم وأد الفكر هيهات هيهات.
فقد انكشف أمرهم، ورسخ فكر محمود، وموقفه الشجاع وما تزال ابتسامته الوضيئة تنير الدروب فيما القتلة الجهلة في ضلالهم يعمهون.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك