في السابع من فبراير الماضي 2024، اقتربت سفينة شحن مجهولة من شواطئ جزيرة عبد الكوري اليمنية، التابعة لأرخبيل سقطرى المطلة على مضيق باب المندب أحد أهم طرق الملاحة البحرية في العالم، ورغم ضخامة تلك السفينة التي بلغ طولها 127 مترا وبلغ عرضها 21 مترا تقريبا، لم تظهر إشارة السفينة على أي برنامج من برامج الملاحة البحرية، ولم يستطع أي برنامج تتبع مسارها الملاحي، بما فيهم برامج الملاحة المتطورة التي ترصد السفن المشبوهة من خلال بيانات الأقمار الصناعية.
كان فريق إيكاد قد كشف لأول مرة -وفي سبق صحفي- عام 2022 وجود قاعدة عسكرية إماراتية في جزيرة عبد الكوري القريبة من باب المندب، حين بدأت الإمارات ببناء ميناء بحري ومدرج للطائرات.
ومنذ ذلك الكشف، تابع فريق إيكاد عبر صور الأقمار الصناعية آخر التطورات في المنطقة، حتى ظهرت تلك السفينة المجهولة محملة بشاحنات وإمدادات ومواد بناء، وتزامن ظهور السفينة مع نشاط غير عادي داخل الجزيرة وحولها.
وقد دفع هذا النشاط فريق إيكاد للتحقيق في طبيعة هذا النشاط وهدفه، ليكشفوا -عبر صور الأقمار الصناعية- عن تطورات جديدة في عملية بناء القاعدة العسكرية الإماراتية بجزيرة عبد الكوري تمت خلال الأشهر الماضية، تطورات شملت توسعة لمدرج الطائرات ليسع طائرات عسكرية أكبر حجما مثل القاذفات الأمريكية، بجانب بناء لسانين بحريين جديدين جنوب الجزيرة.
كما يكشف هذا التحقيق علاقة هذه التطورات بالهجمات التي شنتها جماعة “الحوثي” على السفن الإسرائيلية والأمريكية والبريطانية المارة بمضيق باب المندب بعد معركة “طوفان الأقصى”؛ ودور هذه القاعدة العسكرية في سيطرة الإمارات على الممر التجاري البحري الهام، عبر خلق امتداد عسكري يصل بين القرن الإفريقي وسواحل اليمن لتحقيق الوجود العسكري الغربي وحماية المصالح الإسرائيلية وتقليص النفوذ الإيراني في المياه الدافئة بالمنطقة.
بناء متسارع للقاعدة العسكرية داخل الجزيرة.
ما هدفه؟بدأت القصة بملاحظة فريق إيكاد لنشاط إنشائي على جزيرة عبد الكوري اليمنية في يناير من عام 2022، الجزيرة الواقعة ضمن أرخبيل سقطرى والذي يسيطر عليه المجلس الانتقالي الجنوبي الذي تقوده الامارات؛ تحقق فريق إيكاد من ذلك النشاط وكشف عن تعبيد طريق ترابي بطول 540 مترا وعرض 30 مترا على صورة مدرج طائرات، تقع غربه خيام بيضاء ومساكن اتضح أنها مخصصة للفريق الذي يعمل في بناء مدرج الطائرات؛ حيث كشف التحقيق حينذاك عن عزم دولة الإمارات على بناء قاعدة عسكرية على جزيرة عبد الكوري.
لكن، مع اندلاع معركة “طوفان الأقصى”، ثم قيام جماعة “الحوثي” التي تسيطر على العاصمة صنعاء.
ومناطق البيضاء وإب وعمران والحديدة وذمار وصعدة وريمة والمحويت، وهو ما يشكّل 23% من إجمالي مساحة اليمن، بشن هجمات على السفن الإسرائيلية والأمريكية والبريطانية؛ لاحظ فريق إيكاد نشاطات إنشائية جديدة على جزيرة “عبد الكوري”، قادتهم في النهاية لكشف التطورات في عملية بناء القاعدة العسكرية الإماراتية.
وقد كشفت هذه التطورات عن سعي الإمارات لمد نفوذها في منطقة باب المندب، لتضييق الخناق على النفوذ الإيراني والجماعات المرتبطة به، خاصة جماعة “الحوثي” في اليمن، بجانب تهيئة قواعد عسكرية لاستقبال قوات أمريكية تكون بمثابة “ظهير دفاعي” عن المصالح الاسرائيلية في المنطقة.
ولإثبات تلك الفرضية، عاد فريق التحقيق بإيكاد لفحص صور الأقمار الصناعية لكشف طبيعة التطورات التي تمت على الجزيرة في الشهور الماضية.
وقد أظهرت صور الأقمار الصناعية من Sentinel Hub تطورات في الأبنية بالمصف الرئيسي بمدرج القاعدة الغربي، بجانب عمليات تمهيد ترابية ورصف، تبعها ظهور منشآت جديدة خلال الأسابيع التي تلت 7 أكتوبر 2023.
ولتحديد طبيعة هذه الأبنية الجديدة والهدف منها؛ عُدنا إلى صور الأقمار الصناعية التي حصلنا عليها من “Maxar” والتي التُقطت في 5 يناير 2024، لنلاحظ ظهور 4 أبنية جديدة في مصف المدرج الغربي الرئيسي، وكانت:
مبنى طويل دائري يبدو كبرج اتصالات.
مبنى رئيسي للقاعدة مساحته ٣٢٠ متر مربع.
مبنيان فرعيان للقاعدة مساحتهما على التوالي:
رصد فريق إيكاد أيضا زيادة قدرها ١٢٠ متراً في طول المدرج الرئيسي بعد ٧ أكتوبر2023، وذلك ضمن جهود القائمين على القاعدة لتعزيز قدرات البنية التحتية على استقبال طائرات شحن ثقيلة ومقاتلات وقاذفات متطورة تحتاج مسافات أطول للإقلاع والهبوط.
ليصبح طول المدرج الغربي الرئيسي بعد الاستحداثات الأخيرة ٣ كلم، أي أنها قادرة على استيعاب طائرات الشحن العسكري الأمريكية الكبييرة من طراز C-5M Super Galaxy وقاذفات B-1 الأمريكية الاستراتيجية التي تستطيع القيام بمهام تشمل الهجمات التكتيكية والنووية، وهي ذاتها التي أقلعت من الولايات المتحدة وقامت بهجمات انتقامية مؤخراً(1) في سوريا والعراق رداً على هجمات الفصائل المسلحة المقربة من إيران.
أما شمال مدرج الطائرات الرئيسي للقاعدة، فقد أظهرت صور الأقمار الصناعية تطورا مهما آخر، وهو مهبط للطائرات المروحية، لم يك موجود من قبل، وتم بنائه بعد 7أكتوبر 2023.
كذلك، يتضح من الصور التي حصل عليها فريق التحقيق من Sentinel Hub أن عمليات الحفر ازدادت بمحيط مدرج الطائرات الرئيسي بعد ٧ أكتوبر، وهو مؤشر إضافي على عمليات البناء والاستحداثات المتسارعة في القاعدة.
حيث يمكن الاستدلال على كثافة عمليات البناء من خلال كثافة عمليات الحفر، وقد أظهرت صور الأقمار الصناعية تخصيص منطقتين لمعالجة مواد البناء الترابية، ظهر بهما آلات كبيرة لاستخراج التراب ومعالجته، كما أظهرت الصور وجود شاحنات تستخدم لنقل التراب الناتج من عمليات الحفر ونقل المواد اللازمة للبناء على الجزيرة بشكل عام وبالقاعدة بشكل خاص.
المنطقة الأولى التي يتم نقل تراب عمليات الحفر إليها.
المنطقة الثانية التي يتم نقل تراب عمليات الحفر إليها.
وبالإضافة إلى وقوع الجزيرة تحت سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي الذي تقوده الإمارات مما لا يدع مجالا للشكل بأن الجهة التي تقوم بعمليات البناء على الجزيرة هي جهة إماراتية، أظهرت صور الأقمار الصناعية دليلا إضافيا على ذلك، حيث ظهرت تشكيلات رملية قرب مدرج القاعدة الرئيسي، تشكل العبارات والأسماء التالية:
“أنا أحب الإمارات” باللغة الإنجليزية (I love UAE).
هكذا، يتضح مما كشفته صور الأقمار الصناعية وجود تسارع في تطوير البنية التحتية للقاعدة العسكرية على جزيرة عبد الكوري وتهيئتها لاستقبال طائرات عسكرية كبيرة مثل الطائرات الأمريكية، غير أن السؤال الذي طرحه هذا الكشف، هو كيف وصلت الإمدادات الخاصة بعملية البناء وتوسعة مدرج الطائرات بالقاعدة العسكرية في ظل الأحداث التي شهدتها منطقة باب المندب، وتعرض السفن الإسرائيلية والأمريكية والبريطانية لهجمات جماعة “الحوثي”؟قاد هذا السؤال فريق البحث في إيكاد لكشف جديد على جزيرة عبدالكوري يرسم صورة أوضح لهدف إنشاء الإمارات لتلك القاعدة العسكرية على الجزيرة.
لسان بحري جديد وكثافة ملاحية على شواطئ عبدالكوري.
كان الأمر المثير للريبة بخصوص تلك السفينة المجهولة التي رصدها فريق التحقيق ب”إيكاد” وقادتهم لكشف تلك التطورات بالقاعدة العسكرية على جزيرة “عبدالكوري”، هو مسارها الملاحي ووجتها.
فرغم علم فريق التحقيق بوجود لسانين بحريين شمال الجزيرة، إلا أن تلك السفينة المجهولة قد ظهرت جنوبها، مما دفعنا للبحث والتحقيق في سبب توقف السفينة في جنوب الجزيرة تحديدا.
وبمراجعة صور الأقمار الصناعية عند شواطئ جزيرة “عبدالكوري” الجنوبية -القريبة من مدارج القاعدة الإماراتية التي تم العمل عليها قبل عامين- والتي لاحظ فريق إيكاد نشاطا بحريا حولها، وجدنا تطوراً جديداً ومهماً.
حيث كشفت صور الأقمار الصناعية عن بناء لسان بحري جديد في الجزيرة، وقد حدد فريق “إيكاد” تاريخ بدأ العمل على بناء ذلك اللسان البحري فكان أوائل أكتوبر 2023، أي بالتزامن مع عملية طوفان الأقصى؛ وقد بلغ طول اللسان 120 مترا بعرض 8 أمتار.
كما أظهرت صور الأقمار الصناعية التي حصلنا عليها، نقل صناديق المعدات والمواد التي يستخدمها العمال في إنشاء البنية التحتية للميناء البحري والقاعدة بشكل عام على الجزيرة، وقد وصلت تلك الصناديق إلى الجزيرة عبر عدة سفن بحرية ترددت على السواحل الجنوبية للجزيرة خلال الأشهر التي تلت عملية طوفان الأقصى.
الأمر الذي أثار التساؤل حول الموقع الجغرافي لهذا اللسان الجديد و الغرض منه! فقد كانت الجزيرة تحتوي على لسانين بحريين تم إنشاؤهما في وقت سابق لاستقبال السفن القادمة إلى الجزيرة، إلا أن الأغرب كان اختفاء اللسانين بشمال الجزيرة خلال شهر أكتوبر من عام 2023!
لسان بحري جديد لتفادي نيران الحرب.
يظهر في صور الأقمار الصناعية لجزيرة “عبدالكوري” على برنامج Google Earth Pro في منتصف العام الماضي احتواء الجزيرة على لسانين بحريين.
يقع اللسان الأول في شمال شرق الجزيرة قرب القاعدة، وقد أنشئ في أبريل ٢٠٢٣ ويقع ثانيها شمال وسط الجزيرة حيث أنشئ في مايو ٢٠٢٣.
غير أن كلا اللسانين تم إزالتهما في أكتوبر 2023، تزامناً مع حرب غزة، وهو نفس الشهر الذي بدأ فيه بناء اللسان الجديد جنوب الجزيرة!
وتعود أسباب استبدال اللسانين البحريين شمالي الجزيرة بلسان جديد جنوبها لأسباب سياسية وجغرافية توضحها صور الأقمار الصناعية؛ حيث يبدو الشاطئ الجنوبي للجزيرة أوسع من الشواطئ بشمالها مما يسمح باستقبال عدد أكبر من السفن.
كما أن الشاطئ المجاور لللسان البحري الجديد جنوب الجزيرة محاط بارتفاعات ومياهه أكثر عمقا مقارنة بالمياه الضحلة بالشواطئ المنبسطة شمال الجزيرة، ما يسمح للسفن الكبيرة الإبحار لمسافة أقرب.
لذلك، شرعت الإمارات في بناء اللسان الجديد ليكون في مكان أكثر أمنا واحتماءً من أي هجمات محتملة من جماعة “الحوثي” شمالا والتي قد أدانت -قبل عملية طوفان الأقصى- بناء الإمارات لقاعدة عسكرية بجزيرة عبدالكوري(2)، وقامت قبلها بقصف منشآت حيوية في العمق الإماراتي.
(3).
وقد تزامن إنشاء هذا اللسان البحري الجديد جنوب الجزيرة مع عمليات الحفر والبناء الجديدة بالقاعدة العسكرية عليها، مما يشير إلى أن الأمدادت اللازمة لعمليات البناء دخلت الجزيرة عبر ذلك اللسان الجديد، وهذا ما أكدته صور الأقمار الصناعية، التي أظهرت صور صناديق كبيرة على اللسان البحري وبالطرق الترابية الممهدة نحوه.
لكن بقى السؤال: كيف وصلت تلك الإمدادات للجزيرة؟سفن مجهولة وأخرى مشبوهة حول عبد الكوري.
عندما اقتربت سفينة مجهولة -لم تظهر هويتها على أي برنامج للتبع الملاحي- من الساحل الجنوبي لجزيرة عبد الكوري في السابع من فبراير الماضي 2024، لاحظ فريق “إيكاد” أن السفينة اقتربت من سواحل الجزيرة، لكنها لم ترسو على شاطئها، بل انتظرت سفينة أخرى أصغر حجما ومتعددة المهام، قامت بنقل حمولتها قرب شاطئ الجزيرة، لتنقلها بدورها لقوارب إلى الجزيرة.
غير أن فريق “إيكاد” قد لاحظ تكرر تلك العملية بواسطة سفينة أخرى، استطعنا التعرف عليها، وتُدعى “Takreem” وهي سفينة كبيرة من نوعية “Landing Craft”، وتعني بالعربية “سفن الإنزال”، وهي سفن بحرية تُستخدم لنقل الجنود والمعدات والمركبات والإمدادات ونشرها من السفينة إلى الشاطئ لإجراء العمليات العسكرية الهجومية، وكانت هذه السفينة تبحر نحو جزيرة عبد الكوري وتحمل العلم الإماراتي.
عاد فريق “إيكاد” لتتبع مسار السفينة، فوجدها قد انطلقت من “ميناء زايد” في أبو ظبي بتاريخ ٢١ ديسمبر ٢٠٢٣، فعبرت مضيق هرمز ثم اتجهت جنوباً لتصل إلى جزيرة سقطرى اليمنية بتاريخ ٢٩ ديسمبر ٢٠٢٣، لتمكث هناك حتى ٧ يناير ٢٠٢٤.
بعدها، اتجهت غرباً نحو جزيرة عبدالكوري -إحدى جزر أرخبيل سقطرى – لتصل يوم ٨ يناير2024 الماضي وترسو في شاطئ الجزيرة الجنوبي حتى ١١ يناير 2024.
ثم عادت مرة ثانية لجزيرة سقطرى في ١٣ يناير2024 الماضي وخرجت منها يوم ١٨ يناير2024، مواصلة مسيرها نحو الإمارات لتعود إلى ميناء زايد يوم ٢٧ يناير2024.
غير أن مسار السفينة “Takreem” الذي تتبعناه بين الإمارات وجزيرة “عبد الكوري” لم يكن معرفتنا الأولى بالسفينة، فقد سبق أن تتبع فريق “إيكاد” السفينة حين كانت تتردد على قاعدة “المخا” العسكرية، القاعدة التي أنشئتها الإمارات على ساحل البحر الأحمر بمنطقة باب المندب بعد أن انتزع المجلس الانتقالي الجنوبي مدينة المخا من جماعة “الحوثي”، وقد توقفت السفينة “Takreem” عن الذهاب لميناء “المخا” بعد أن شارف مدرج الميناء على الانتهاء في أكتوبر 2021، مما يدل على أن غرضها كان لنقل معدات ومواد البناء اللازمة لبناء المدرج.
التطورات التي وثقتها إيكاد بقاعدة المخا العسكرية على البحر الأحمر.
السفن (من ضمنها Takreem) التي رجّحنا أنها نقلت المعدات والإمدادات لبناء قاعدة المخا.
فقد أدت السفينة “Takreem” نفس الدور الذي لعبته خلال بناء قاعدة “المخا”، حيث كشفت برامج التتبع عن وصول السفينة إلى جزيرة “عبد الكوري” في ٢٠ نوفمبر2021 وظلت هناك حتى نهاية الشهر، أي قبل مدة وجيزة من بدء الإمارات بناء مدرجها العسكري في الجزيرة ببداية شهر ديسمبر 2021.
وقد تزامن رصدنا لسفينة Takreem حينها، مع ظهور أنباء يمنية (4) في ٢٥ نوفمبر ٢٠٢١، تؤكد -حسب مسؤول محلي في سقطرى- وصول سفينة إماراتية على متنها معدات وخبراء إلى جزيرة عبد الكوري، لبناء قاعدة عسكرية، وقد أثبت فريق إيكاد صحة تلك المعلومة عبر صور أقمار صناعية عرضت حينها لأول مرة إعلاميا.
حيث ظهرت سفينة Takreem بصور الأقمار الصناعية التي أُلتقطت بتاريخي 24 نوفمبر 2021 و29 نوفمبر 2021 من خلال برنامج Sentinel Hub، وقد ظهرت السفينة على مسافة قريبة من الشاطئ الذي يتم عليه بناء القاعدة الإماراتية الجديدة في عبد الكوري.
وتأكدنا من هوية السفينة من خلال تطابقها مع مسار الملاحة البحرية وتطابق أبعاد السفينة.
مع ملاحظة فريق التحقيق لإختفاء إشارة السفينة أثناء وقوفها قبالة شواطئ الجزيرة الجنوبية، ثم عودة إشارتها في 25 ديسمبر2021 بالقرب من سواحل صلالة العُمانية، مما يدل على أن السفينة كانت في نشاط مشبوه أو مخالف للقانون الدولي والسيادة اليمنية حينها.
صورة بتاريخ ٢٤ نوفمبر ٢٠٢١ تظهر السفينة شمال الجزيرة.
صورة بتاريخ ٢٩ نوفمبر ٢٠٢١ تظهر السفينة جنوب الجزيرة.
بين التهجير والاسترضاء.
سياسات الإمارات تجاه سكن جزيرة عبد الكوري.
في يوليو 2022 أدانت الهيئة العامة للمصائد السمكية في البحر الأحمر، ما تقوم به دول التحالف بقيادة دولة الإمارات من “تهجير قسري لسكان الجزيرة” حسب بيانها؛ كما طالب البيان بخروج قوات التحالف من كافة الأراضي والجزر والسواحل اليمنية وإيقاف “عمليات التهجير القسري للسكان أو محو هويتهم”.
(5).
غير أن صور الأقمار الصناعية التي حصل عليها فريق “إيكاد” توضح أن الإمارات قد غيرت استراتيجيتها في التعامل مع سكان الجزيرة ولو جزئيا.
إذ كشفت صور الأقمار الصناعية عن مباني في شكل مساكن مخصصة للعمال القائمين على بناء وتطوير القاعدة، ويدل على ذلك وجود طرق ترابية مؤدية لهذه المساكن، بجانب وجود خيم للعمال ومعداتهم حول هذه المساكن، والتي تقع على مسافة قريبة جدا من مباني القاعدة.
تظهر الصورة وجود مساكن جديدة يحيط بها الشاحنات والمعدات الخاصة بأعمال البناء التي تجري بالجزيرة بجانب خيم العمال.
غير أن هذه المساكن ليست هي المساكن الوحيدة التي تم بنائها مؤخرا، حيث توضح الصورة بناء مساكن أخرى على بعد 2.
5 كلم تقريبا من مدرج القاعدة؛ ونظرا لبعدها عن القاعدة لا يُرجح أن تكون تلك المساكن مخصصة للعمال.
بل يٌرجح أن تكون هذه المساكن مخصصة لسكان الجزيرة اليمنيين، والذين حاولت الامارات تهجيرهم بتقديم عروض ثمينة لهم مقابل ترك الجزيرة والذهاب لحضرموت حسب عدة مصادر يمنية أفادت أن أهالي الجزيرة قد رفضوا ترك مساكنهم.
(6).
مما استدعى من الامارات تغيير استراتيجيتها في التعامل مع سكان الجزيرة بمحاولة استرضائهم من خلال تطوير البنية التحتية الخاصة بالجزيرة المهملة من قبل الحرب اليمنية، وتأمين مساكن جديدة للمواطنين اليمنيين الذين يقطنون بجزيرة عبد الكوري بجانب تطوير مرافق الجزيرة، وهو ذات الأسلوب الذي اتخذته الإمارات في جزيرة سقطرى القريبة(7)، حيث قامت باستحداث بعض المرافق الطبية والسكنية في محاولة لشرعنة وجودها العسكري والأمني بمطار حديبو خاصة وجزيرة سقطرى عامة.
وما يؤكد هذه الإستراتيجية التي تنتهجها الإمارات تجاه سكان الجزيرة، هي صور الأقمار الصناعية المتاحة على برنامج Google Earth Pro والتي توضح وجود مساكن جديدة مشابهة ظهرت منتصف العام الماضي بالقرب من تجمعات المساكن القديمة غرب الجزيرة كذلك.
خريطة تُظهر المساكن الجديدة لأربعة نقاط، اثنتان قرب القاعدة والتي نرجح استخدامها ولو جزئياً لفرق بناء القاعدة، واثنتين غرب القاعدة تم بناؤها في محاولة لشرعنة وجودها العسكري بالجزيرة من خلال تقديم سكن جديد لسكانها.
تكامل استراتيجي إماراتي-غربي-إسرائيلي على أعتاب باب المندب!
توضح صور الأقمار الصناعية التي عرضناها الاستحداثات التي تمت بالأشهر الماضية عقب أحداث 7 أكتوبر، تحديدا بالقاعدة الجوية الإماراتية على الجزيرة، والتي تزامنت مع تطورات أخرى كشفناها بالقواعد العسكرية التي استثمرت بها الإمارات في قاعدتي بربرة وبصاصو في الصومال.
حيث توضح الخريطة السابقة التمدد الإماراتي في منطقة باب المندب والقرن الإفريقي، التي تسعى الإمارات لبسط نفوذها فيها وخلق طوق أمني تتكامل فيه القواعد الإماراتية في أرخبيل سقطري وأرض الصومال مع قواعد عسكرية أخرى تتواجد بها قوات أمريكية مثل قاعدة الريان جنوب اليمن وقواعد إماراتية أخرى، عملت الإمارات على تطويرها وبنائها خلال الأعوام القليلة الماضية مثل قاعدة ميون الواقعة عند بوابة باب المندب وقاعدة المخا المطلة على البحر الأحمر ومدخل مضيق باب المندب.
لكن، تطرح الخريطة السابقة وما كشفناه من تطورات و استحداثات تمت بالقاعدة العسكرية على جزيرة عبدالكوري سؤالا حول الهدف من بناء هذه القواعد والتمدد العسكري في تلك المنطقة الهامة؟ما قاد فريق إيكاد للبحث عن دلائل توضح الصورة الكاملة لهذا التمدد العسكري الإماراتي في منطقة مضيق باب المندب؛ وكان أول الخيوط التي أمسك بها فريق البحث في “إيكاد”، هو ما ذكره موقع “جي فوروم” للجالية اليهودية الناطقة بالفرنسية، بأن الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل تخططان لإنشاء قاعدة تجسس في جزيرة سقطرى اليمنية في موقع استراتيجي في بحر العرب، على بعد 350 كيلومتراً جنوب اليمن.
(8).
غير أن هذا الاتفاق وذلك التخطيط سرعان ما تحولا لحضور أمني اسرائيلي على الجزيرة، فبحلول نهاية أغسطس/آب 2020، وصل عدد من ضباط المخابرات الإماراتيين والإسرائيلين إلى جزيرة سقطري(9)، بعدما فرضت الإمارات هذا الحضور الإسرائيلي بالجزيرة على المجلس الانتقالي الجنوبي، بحسب موقع “إنتيلجينس أونلاين” الاستخباري الفرنسي.
ورغم أن هذه الترتيبات الامنية والحضور الاسرائيلي على جزيرة سقطرى لم يخف على أي من الجهات المتصارعة في اليمن، إلا أن هذه الترتيبات قد توسعت لتشمل القاعدة العسكرية الإماراتية الجديدة بجزيرة عبدالكوري، حيث نشرت عديد من المواقع الإخبارية اليمنية والعبرية أخبار حول إستعانة الإمارات بخبراء إسرائيلين موجودين في الجزيرة، لبناء القاعدة العسكرية الجديدية.
(10).
وقد أكد هذا التعاون وذلك الحضور الاسرائيلي على الجزيرة المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية ”ISPI” في تقرير(11) له نشره بنوفمبر ٢٠٢٣، أفاد بأن جزيرة سقطري تستضيف(12) بعض المنشآت العسكرية التي بناها الإماراتيون والتي تضم قاعدة استخباراتية إماراتية بالتعاون مع إسرائيل، يمكن أن تتحول لمركز استشعار يحتوي على ردارات إسرائيلية لمواجهة الصواريخ والطائرات المسيرة إيرانية الصنع، كما تطرق التقرير لتوسع هذا التعاون مؤخرا ليشمل القاعدة العسكرية التي تبنيها الإمارات على جزيرة عبدالكوري.
أما بالنسبة للجانب الإسرائيلي، فيبدو الهدف من هذا التعاون الأمني والحضور الاستخباراتي على أرخبيل سقطرى أكثر وضوحا، إذ قالت مصادر أمنية إسرائيلية لمجلة Breaking Defense أن الهدف هو “إنشاء أنظمة اتصالات موحدة تربط جميع أجهزة استشعار الإنذار المبكر التي نشرتها الدول المشاركة في الخليج والأردن.
حيث ستشرف القيادة المركزية الأمريكية على هذا النظام، وسيسمح بالإنذار المبكر في الوقت الفعلي بشأن التهديدات الجوية الناشئة من إيران وحلفائها بالمنطقة، مثل الطائرات المسلحة بدون طيار أو الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز”.
(13).
ويتضح من كل تلك الأدلة، أن القواعد العسكرية التي تنشئها الامارات في منطقة باب المندب والقرن الأفريقي ومن بينها قاعدة جزيرة عبد الكوري، هي جزء من مشروع تكامل عسكري إماراتي-غربي ليس فقط لبسط نفوذ الإمارات في المنطقة وتقديم موضع قدم لوجود عسكري أمريكي دائم بمنطقة باب المندب، بل كذلك لضمان أمن طرف ثالث مهم وهو دولة الكيان المحتل؛ وهو ما يفسر ذلك الحضور الاستخباراتي الإسرائيلي في جزر أرخبيل سقطرى ومنها جزيرة عبد الكوري.
ويقترن هذا مع ما كشفناه من نقل اللسان البحري من شمال الجزيرة -المكشوف على هجمات الحوثي المحتملة من الأراضي اليمنية- إلى جنوب الجزيرة، والبدء في استحداث برج اتصالات، بجانب زيادة طول المدرج، وما لزم هذه الاستحداثات من إمدادات ومعدات نقلتها للجزيرة عدة سفن، شكلت نشاط بحري غير مسبوق منذ البدء في بناء القاعدة قبل عاميين.
وبذلك، تعد الإمارات قاعدة عبد الكوري لتكون بمثابة قلب مشروع للتكامل العسكري، يهدف لتحقيق عمق دفاعي لحماية إسرائيل، ويعزز الحضور الاستخباراتي الأمريكي الإسرائيلي في منطقة باب المندب والقرن الأفريقي، أحد أهم ممرات التجارة في العالم.
1/ فيديو لحظة إقلاع قاذفات B1 من أمريكا برحلة دون توقف لتنفيذ الضربة في العراق وسوريا.
https: //arabic.
cnn.
com/middle-east/article/2024/02/03/video-b-1-bombers-flew-in-non-stop-flight-from-us-to-strike-targets-in-iraq-syria.
2/ وزارة الثروة السمكية تدين تهجير سكان جزيرة عبدالكوري من قبل دول العدوان.
https: //www.
saba.
ye/ar/news3225442.
htm.
3/ هجوم “الحوثي” على الإمارات ليس الأول.
إليكم أبرز العمليات والترسانة العسكرية للجماعة اليمنية.
https: //www.
aljazeera.
net/encyclopedia/2022/1/18/%D9%87%D8%AC%D9%88%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D9%84%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84.
4/ مصدر: وصول سفينة إماراتية على متنها معدات وخبراء إلى جزيرة “عبدالكوري”.
https: //yemenshabab.
net/news/71555.
5/ وزارة الثروة السمكية تدين تهجير سكان جزيرة عبدالكوري من قبل دول العدوان.
5/ هل تنجح المساعي الإماراتية في تهجير سكان جزيرة عبد الكوري؟https: //yemeneco.
org/archives/68019.
7/ Socotra island: The Unesco-protected ‘Jewel of Arabia’ vanishing amid Yemen’s civil war.
https: //www.
independent.
co.
uk/news/world/middle-east/socotra-island-yemen-civil-war-uae-military-base-unesco-protected-indian-ocean-a8331946.
html.
8/ UAE and Israel to establish spy base in Yemen Island.
https: //www.
middleeastmonitor.
com/20200828-uae-and-israel-to-establish-spy-base-in-yemen-island/.
9/صحفي يمني: قوات إماراتية إسرائيلية تحتل جزيرة في سقطرى لإنشاء قاعدة عسكرية.
https: //thenewkhalij.
news/article/289556/%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B4%D8%A7%D8%A1-%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A9-%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A9.
-%D9%82%D9%88%D8%A7%D8%AA-%D8%A5%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%A9-%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%AD%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%86-%D8%AC%D8%B2%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D9%82%D8%B7%D8%B1%D9%89.
الإمارات وإسرائيل تبنيان قاعدة عسكرية قرب مضيق باب المندب – مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية.
https: //sanaacenter.
org/ar/translations/19714ط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك