في الجزء الأول من هذه المقالة ناقشنا المحددات المنهجية التي يمكن من خلالها أن نفهم مسارات تغير المجتمع في عُمان، وذكرنا أن هناك ثلاثة محددات أساسية تسمح لنا رؤيتها بالحكم أن المجتمع يعيش طورًا من أطوار تغيره، وهي: انتقال المجتمع من التعبير والتمحور حول (قيم البقاء) إلى (قيم التعبير عن الذات)، ووضوح الدور الموضوعي للبنى الاجتماعية، والانعكاسية الاجتماعية.
وسردنا بعض الملامح الأساسية للتغير في المجتمع العُماني بما في ذلك اندماج المجتمع في الشكل الجديد لاقتصاد المساهمة، والقبول والتبني المستمر لمنتجات العولمة، بالإضافة إلى ظهور فكرة (الفردانية المسؤولة).
نستكمل في هذه المقالة هذه الملامح، وصولًا إلى تحليل الطريقة التي يمكن من خلالها التعامل مع إفرازات التغير الاجتماعي.
فمن ملامح التغير الاجتماعي في عُمان كذلك إعادة التعريف المستمرة للمجال العام، وتغير أدواره، وتغير كذلك رؤية أفراد المجتمع تجاه المجال العام، فبعد أن كان عبر مراحل تاريخية (شبه مؤسساتي) تقود المجالس والسبلة العُمانية، ثم في مرحلة لاحقة أصبحت تقود المؤسسات المنتخبة وبعض البرامج في وسائل الإعلام، والتي رسخت كمنصة جادة لمناقشة الشؤون العامة في مرحلة تاريخية معينة، أصبح هذا المجال مرقمنًا اليوم في الجزء الأكبر منه، والتغير ليس في انتقال مناقشة الشؤون العامة إلى الفضاء الرقمي، وإنما في محددات ذلك النقاش؛ فالعام قد ينطلق في أصله من (الفردي)، أو قد ينشأ منعكسًا من خارج السياق الاجتماعي إلى داخله.
والتعبير والمشاركة لم تعد محصورة بشكل محدد وفق تراتبية اجتماعية أو مؤسسية، بل أصبح جميع الفاعلين الاجتماعيين على مقياس واحد في الوصول إلى المجتمع ومجاله العام، وطريقة الانخراط في المجال العام لا تخضع لقيم واحدة محددة؛ وأساليب المساهمة فيه لا تخضع لشكل واحد، ورؤية الأفراد في المجتمع لجديته وتأثيره ودوره في إعادة تشكيل الحقائق الاجتماعية أصبحت نسبية؛ وبالتالي هناك (مجال عام) متشكل نسبيًا يمكن قراءة المجتمع من خلاله، إلا أنه ليس بالضرورة أداة ناجعة لفهمه، أو التبنؤ بإفرازات التغير الاجتماعي فيه، أو كشف حقيقة البنى الاجتماعية وتحولاتها من خلاله.
ومن ملامح التغير في المجتمع العُماني كذلك، تغير المفاهيم تجاه الأسرة؛ من ناحية تشكيلها، دورها، أدوار أطرافها وأفرادها، تكاملها وتفاعلها مع الوحدات الاجتماعية، امتدادها، وديمومتها، ووزنها الاجتماعي في مقابل الأدوار والمهام الاجتماعية الأخرى.
مجال هذا التغير واسع وممتد، وقد يقرأ من خلال مؤشرات أساسية مثل حجم الأسرة، ومتوسط العمر عند الزواج الأول للجنسين، وأعداد حالات الطلاق والزواج المسجلة خلال أمد زمني محدد، ومتوسط عدد سنوات التربية بين مولودين (المباعدة في الولادات)، وأوجه دخل وانفاق الأسرة وأولويات الانفاق الاقتصادي من زاوية اقتصادية.
ولكن الفهم الحقيقي للتغير الاجتماعي من خلال هذا الملمح يجب ألا يكتفي بالمؤشرات الظاهرة، وإنما ينبغي أن يذهب التحليل إلى فهم السرديات الجديدة المتشكلة؛ مثال ذلك: كيف ينظر الجيل الجديد من الشباب إلى تكوين الأسرة كقيمة اجتماعية تحدد وجوده الاجتماعي؟ ما الذي يتحكم في الخيارات الزواجية؟ وما الاعتبارات الأساسية التي يضعها الأزواج الجدد قيمًا لاستدامة منظومة الزواج والأسرة؟ ما المعايير الرئيسية التي يعبر عنها الجيل الجديد في فكرته لتربية الأبناء؟ وكيف ينظرون لدور الأسرة من الداخل، ودور المؤسسات الاجتماعية من الخارج لاحقاق واجب التربية وتكاملها؟مثل هذه الأسئلة وغيرها لا تشتق من مجرد استطلاعات رأي عام، أو دراسات ميدانية جزئية، وإنما تحتاج مراقبة ورصد اجتماعي مستمر للسردية الاجتماعية عند مختلف الأجيال والفئات الاجتماعية؛ ذلك أن ما يتصوره أو يفكر فيه جيل ناشئ يغدو لاحقًا (حقيقة اجتماعية ناشئة).
وإدارة التغيير الاجتماعي تبدأ من خلال إدارة هذه التصورات والتوقعات وأنماط التفكير، كي لا يتحول التغيير لاحقًا إلى إشكالات اجتماعية بنيوية.
وهناك ملامح أخرى للتغير في المجتمع العُماني، منها تغير النظرة التنموية إلى الفئات الأكثر احتياجًا من كونها فئات مدعومة بالتنمية، إلى كونها فئات مساهمة في التنمية والمجتمع بمختلف أشكالها، وارتباط الاستهلاك الثقافي لبعض الفئات بطريقة تعبيرها عن ذاتها.
فهناك فئات على سبيل المثال تعبر عن قيمتها ووجودها الاجتماعي من خلال أنماط الهوايات التي تمارسها، أو العمل الحر الذي تنشط فيه، وتقدم نمط حياة جديدًا وقيمًا جديدة للمجتمع ارتباطًا بما تمارسه (هواة بناء الأجسام، رواد الأعمال الناشئين، المسوقين الافتراضيين،
).
ففي مراحل تاريخية سابقة كان الشخص يعرف إما بمهنته أو الخلفية الاجتماعية القادم منها، وأصبحت اليوم هذه الهوايات والممارسات الجديدة تعرف أشخاصًا وتعيد تموضعهم في خارطة القيمة الاجتماعية.
ما يهمنا قوله، إن ما يشيع من حديث حول المجتمع في راهنه هو غالبًا حديث عن (إفرازات) التغير الاجتماعي، سواء الظواهر والسلوكيات أو القيم الناشئة أو ما تسمى الدخيلة.
والأصل هو أن نراقب حركة التغير الاجتماعي في حقيقتها من خلال خمسة مناظير أساسية: منظار التحول في دور المؤسسات الاجتماعية الرئيسية (ماذا تفعل؟ وفيم تتقلص أدوارها؟ وكيف تؤدي تلك الأدوار؟ ) ومنظار توقعات وتصورات الأفراد (كيف تفكر مختلف الأجيال؟ ماذا تتوقع من المجتمع؟ وماذا تتصور أن تكون قيمها في المجتمع؟ ) ومنظار التغير المؤسسي (ما السياسات الاجتماعية التي يتم تبينها؟ كيف ستخلق مجتمعًا جديدًا؟ وما هي السياسات المتعارضة بين الواقع القديم والواقع الجديد المراد؟ ) ومنظار القيم الاجتماعية (هل يجري نقل القيم عبر المؤسسات والسياسات والممارسات والسلوكيات بشكل ممنهج؟ أم أنها تنقل تلقينًا وتعريفًا وحثًا؟ هل تجسد برامج العمل الاجتماعي والبرامج التربوي مادة موضوعية تتمحور حول القيم وتأصيلها؟ ).
والمنظار الأخير هو منظار القيمة الاجتماعية (من يمنح المجتمع قيمة اجتماعية؟ وماذا يمنح المجتمع قيمة اجتماعية؟ وكيف يتم منحها؟ وكيف يسعى الأفراد في المجتمع لكسب القيمة الاجتماعية الجديدة؟ ).
هذه المداخل مهمة إذا ما أردنا القبض على حركة التغير الاجتماعي وفهمها، إضافة إلى تعديد الأدوات (العدة) وعدم المراهنة على المؤشرات الكمية الحادثة وحدها، وتقاسم الفهم بين المؤسسات بعدم احتكار البيانات والمعلومات، وحشد القدرات لفهم السرديات (تلك المعاني وأنماط التفكير والتصورات التي قد لا تظهر مباشرة في السلوك أو الفعل، وإنما تجسد محركات فعل الأفراد مستقبلًا)، والأهم أن تعمل المنظومة كلها ككيان واحد في سبيل تسخير أدوات الرصد، وبناء وتوجيه السياسات، وتمكين المجتمع، وحفظ استدامته.
مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع، والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عمان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك