السؤال ليس استفزازيًا بقدر ما هو ضروري.
ففي عالم يمتلئ بالدورات، والورش، والمحتوى المالي، ما زالت النتائج على الأرض محدودة، والارتباك مستمر، والقلق المالي حاضر بقوة.
ولو كانت المعرفة وحدها كافية، لكنا أمام جيل أكثر طمأنينة واتزانًا.
لكن الواقع يقول شيئًا آخر.
المشكلة الأولى أن أغلب برامج الوعي المالي تبدأ من المكان الخطأ.
تبدأ من المال، لا من الإنسان.
من الأرقام، لا من السلوك.
من الأدوات، لا من العقل الذي سيستخدمها.
فتتحول المفاهيم إلى معلومات عابرة، تُفهم لحظة، ثم تُنسى عند أول ضغط حقيقي.
المال ليس مسألة حسابية بحتة.
هو انعكاس مباشر لطريقة اتخاذ القرار، ولعلاقة الإنسان بالخوف، والتأجيل، واللذة، والمقارنة.
وحين نتجاهل هذا البعد، ونُقدّم الوعي المالي كحزمة نصائح جاهزة، فإننا نُدرّس السطح ونترك الجذر.
المشكلة الثانية أن كثيرًا من البرامج تُخاطب المتعلّم، لا المتغيّر.
تُضيف معلومات، لكنها لا تُحدِث تحوّلًا.
والفرق بين الاثنين جوهري.
فالتعلّم يملأ الذاكرة، أما التحوّل فيعيد تشكيل زاوية النظر.
ومن لم تتغير زاوية نظره إلى المال، سيعود دائمًا إلى سلوكه القديم مهما عرف.
ثم هناك وهم الحل السريع.
وهو الوهم الأكثر انتشارًا.
أن بضعة أسابيع، أو مجموعة أدوات، أو خطة جاهزة، كفيلة بإعادة بناء علاقة تشكّلت عبر سنوات طويلة.
بينما الحقيقة أن الوعي المالي عملية تراكمية، تحتاج زمنًا، وممارسة، واحتكاكًا واعيًا بالواقع.
لا وعودًا جذابة.
أيضًا، كثير من البرامج تفصل المال عن السياق.
تتحدث عن الادخار دون نمط الحياة.
عن الاستثمار دون فهم المخاطر النفسية.
عن الدخل دون معنى العمل.
وكأن المال كيان مستقل، لا يتأثر بالهوية، ولا بالقيم، ولا بالبيئة.
وهذا فصل مصطنع.
فالمال يتصرف دائمًا بما نعتقده عن أنفسنا، لا بما نتعلمه فقط.
ومن الأسباب العميقة للفشل، أن بعض برامج الوعي المالي تُغذّي المقارنة بدل أن تُفككها.
تُقدّم نماذج نجاح جاهزة، وتفترض صلاحيتها للجميع.
فتخلق شعورًا خفيًا بالنقص، بدل أن تبني فهمًا شخصيًا.
بينما الوعي الحقيقي يبدأ حين يفهم الإنسان مساره، لا حين يقلّد مسار غيره.
الوعي المالي لا يعني أن تصبح غنيًا.
ولا أن تستثمر.
ولا أن تمتلك مصادر دخل متعددة.
هذه نتائج محتملة، لا تعريف.
التعريف الحقيقي هو أن تصل إلى مرحلة تُدير فيها المال دون أن يُديرك.
أن تختار بهدوء.
وأن تفهم تبعات قراراتك قبل أن تقع.
البرامج التي تنجح فعلًا هي تلك التي تُعيد الإنسان إلى موقع المسؤولية.
لا تُخدّره بالأمل، ولا تُخيفه بالأرقام.
بل تُدرّبه على التفكير، وعلى طرح الأسئلة الصحيحة، وعلى فهم نفسه قبل فهم السوق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك