بين التجربة والضمير: السودان بوصفه وطنًا يسع الجميع.
ما بعد السقوط: حين يُختبر الضمير.
لم تكن المتاهات التي أعقبت إسقاط نظام البشير مجرد ارتباك سياسي عابر، بل لحظة كاشفة لاختبار الضمير الجمعي السوداني.
اختلطت الرغبة الصادقة في التغيير بإغواء المنابر، وتحولت المساحات العامة إلى ضجيج كثيف، بينما غاب السؤال الأهم: كيف يتحول السقوط إلى مشروع وطن، لا إلى إعادة إنتاج للفشل؟هذا السؤال يرافقني منذ أكتوبر ١٩٦٤، يوم انتصرنا على العسكر بحسن نية، ثم أخفقنا في تحويل النصر إلى عقد وطني جامع.
ومن هنا ظلّ هاجسي ألّا نكرر الخطأ نفسه، وأن نُخضع الحماسة لاختبار التجربة، والتجربة لمساءلة الضمير.
في خضم هذا الضجيج، برزت فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في جوهرها: أن السودان وطنٌ يتّسع للجميع.
سمعتها عدةً مرات وطوال السنوات؛ واخيرا بوضوح في حديث أحد المناضلين القادمين من الهامش الاجتماعي والجغرافي، المعروف باسم ود أبوك، لا بوصفها شعارًا، بل خلاصة تجربته مع الدولة والحرب والانتماء.
الفكرة ليست قول فردي، بل معيار أخلاقي فشلنا حتي الان في أن نبني عليه مشروع وطني ظل في الانتظار سبعونًً عاماً.
أنتمي إلى جيلٍ لم يعرف السودان من الخرائط ولا من خطابات المركز وحدها، بل من المعايشة اليومية في أقاليمه المختلفة.
جيل قضى يفاعته المهنية متنقلًا بين الضعين وملكال، والنهود والأبيض وتندلتي، وخور يابوس والكرمكً وجبال الإنقسنا، والرصيرص والدمازين والقضارف وكسلا وملكال وبورتسودان، ثم الخرطوم وعطبرة وشندي ومروي ودنقلا ووادي حلفا.
من النوبة إلى الجنوب إلى ديسمبر.
من أقصى الشمال، حيث مورست العنصرية والتطهير العرقي بحق النوبيين، إلى سنوات الشباب في الولايات المتحدة حيث انشغلنا بقضية الجنوب، إلى ثورة ديسمبر التي أعادتني إلى السودان بعد خمسين عامًا لأمد يديّ وأضم صوتي إلى جيلٍ يصغرني بخمسين عامًا وأكثر.
أكتب هذا وأنا على قناعة راسخة بأن الوحدة ليست نقيض التقسيم العادل، بل نتيجته الطبيعية.
حين تُقسَّم المسؤوليات الوطنية والقومية بعدل، وحين تشعر الأقاليم بأنها شريكة لا تابعة، تتحول القومية من خطابٍ مجرّد إلى عقد أخلاقي.
أصف نفسي بالمحظوظ، لا لأنني عشت طويلًا، بل لأنني عرفت السودان في تعدده، واختبرته في أقاليمه.
وأدعو الله أن يبقى هذا الوطن حدادي مدادي، وطنًا يسع الجميع، وأن يكون مشروع التأسيس رهانًا أخلاقيًا على مستقبل أفضل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك