في عالم ما بعد الجائحة، لم يعد مفهوم" المكتب" محصوراً بين أربعة جدران، ولم تعد" الوظيفة" ترتبط بجغرافيا معينة.
اليوم، نعيش ولادة عصر" المواطن العالمي"، وظهور فئة احترافية عابرة للحدود تُعرف بـ" البدو الرقميين" (Digital Nomads).
هؤلاء ليسوا مجرد سياح، بل هم وقود لاقتصاد جديد يعتمد على المعرفة والابتكار، ويمثلون فرصة استراتيجية للأردن يجب ألا نغفل عنها.
ثورة العمل عن بُعد: من الرفاهية إلى الضرورة.
لقد أثبتت التكنولوجيا أن الإبداع لا يحتاج إلى تأشيرة إقامة دائمة في مقر الشركة.
هؤلاء المحترفون في مجالات البرمجيات، التسويق الرقمي، والاستشارات، يبحثون عن وجهات تمنحهم" جودة الحياة" بجانب" جودة الاتصال".
وهنا يأتي دور الأردن، ليس كوجهة سياحية تاريخية فحسب، بل كمنصة عالمية للعمل والعيش.
الأثر الاقتصادي: أكثر من مجرد تذكرة سفر.
إن استقطاب" البدو الرقميين" للأردن يحمل أبعاداً اقتصادية تفوق السياحة التقليدية بمراحل، وتتلخص في ثلاثة محاور أساسية:
السياحة المستدامة (الإقامة الطويلة):
السائح التقليدي يزور البتراء لساعات، أما البدوي الرقمي فيستأجر شقة في عمّان أو العقبة لأشهر، يرتاد المقاهي المحلية، يستخدم وسائل النقل، ويحرك عجلة الاقتصاد اليومي بشكل مستدام.
تواجد هذه العقول في بيئتنا المحلية يخلق حالة من" العدوى الإيجابية"، إذ يساهم احتكاكهم بالشباب الأردني في نقل المعرفة التقنية، وقد يتحول هؤلاء من مقيمين إلى مستثمرين يؤسسون شركاتهم الناشئة من داخل الأردن.
بفضل الإنترنت، يمكن لوادي رم أو ضانا أو عجلون أن تتحول إلى" مكاتب عالمية".
هذا التوجه كفيل بتوزيع التنمية الاقتصادية على كافة مناطق المملكة بعيداً عن المركزية.
رؤية للمستقبل: نحو" تأشيرة الأردن الرقمية".
إننا اليوم أمام استحقاق وطني يستدعي تكاتف القطاعين العام والخاص لطرح مشروع" الأردن وجهة للبدو الرقميين".
نحن بحاجة إلى تشريعات مرنة، وتأشيرة خاصة (Digital Nomad Visa) تمنح هؤلاء وضعاً قانونياً واضحاً، مع تعزيز البنية التحتية الرقمية لتشمل كافة المواقع السياحية.
إن تحويل الأردن إلى حاضنة للمواطنين العالميين هو استثمار في" القوة الناعمة" للمملكة، وتعزيز لمكانتها كدولة عصرية تجمع بين عبق التاريخ وحداثة المستقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك