نحن لا ننهار… نحن نُستنزَف بإسم الصبر.
يُقال إن المجتمعات القوية تُقاس بقدرة أفرادها على التحمل، عبارة تبدو بريئة بل أخلاقية لكنها تخفي سؤالًا أعمق: ماذا يُقاس عندما يُمنع الإنسان من التوقف؟هل القوة في البقاء أم في القدرة على أن تقول لا قبل أن ينهكك الاحتمال؟لسنا أمام انهيارات مفاجئة كما يُشاع بل أمام تآكل مستمر استنزاف هادئ يحدث في الظل عبر أعباء تُوصف بالضرورية وضغوط تُسمّى طبيعية وصبر يُقدَّس بلا سقف ولا نهاية واضحة.
في هذا التراكم يصبح الفرد شبه صامت لا تتوقف آلاته الداخلية إلا في الأحلام ولا يُسمع صوتها إلا في الصمت الكامل.
في كل لحظة يُعاد تشكيل العلاقة بين الإنسان والواقع، تتلاشى الحدود ويُعاد تعريف المعاناة كقيمة والاحتمال كفضيلة بينما القدرة على التخفيف أو المراجعة تُوصف بالضعف أو الانحراف،
الصبر يتحوّل من فضيلة إلى سلعة والتحمل من اختيار إلى آلية بطيئة للاستنزاف والتعب يصبح حالة طبيعية مقنّنة مألوفة لا تستدعي التساؤل.
الخطاب العام لا يحتاج صرامة ظاهرة يكفيه أن يُقنعك بأن كل شيء طبيعي وأن كل شعور سلبي شأنك وحدك بينما النسق الأكبر يستمر بلا مراجعة، يكفيه أن يجعل من طلب المساحة فعلًا خارج السياق ومن الاعتراض شكًا لا يجوز،
ومع الوقت يصبح الاحتمال كيانًا مستقلًا أقوى من الإنسان نفسه يملأ الوقت يتراكم في الصدور يغيّر النوايا ويبدّل الرغبات فيصبح البقاء هو الهدف الأوحد بينما الحياة الحقيقية تصبح ضيفًا نادرًا.
الإنسان الذي يُطالَب بالصبر بلا حدود لا ينهار فقط بل يتبدّل ينسحب بصمت من المعنى يكتفي بالوجود بدل الحياة ويتعلم أن البقاء أفضل من الاستمتاع بالعيش.
الغموض يكمن في الحد الفاصل بين الحياة والاستنزاف، فالصبر حين يُدار بذكاء لا يبدو قيدًا والتحمل حين يُستغل لا يظهر كقمع لكن النتيجة واحدة: ذاكرة جماعية ممتلئة أرواح متعبة ووجود ينجو بلا حضور.
التاريخ وإن صمت أحيانًا لا ينسى.
كل المجتمعات التي بالغت في اختبار قدرة الإنسان على الاحتمال اكتشفت متأخرة أن الصبر مورد محدود وأن الإرهاق الجماعي لا يبقى هادئًا إلى الأبد.
القضية ليست تمرّدًا ولا دعوة للفوضى بل سؤال بسيط مشروع مؤجل دائمًا: إلى أي مدى يمكن إدارة الحياة بمنطق الاحتمال وحده؟حتى يُعاد تعريف معنى الصبر ويُعاد الاعتراف بأن الاحتمال ليس بديلًا عن الحياة،
سيظل السؤال معلّقًا في الفضاء: هل نُنشئ مجتمعات قادرة على الحياة أم مجرد بقاء؟ ؟ ؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك