العربي الجديد - اجتماع كردي لاختيار مرشح لرئاسة العراق. العربي الجديد - الحرب على غزة | إصابة طفل في خانيونس وخطة أميركية لنزع سلاح "حماس" قناه الحدث - لدعم الأمن والاستقرار.. قوات عسكرية مصرية إلى الصومال العربية نت - السعودية: انخفاض وفيات الحوادث 60% وارتفاع متوسط العمر إلى 79.7 عام الجزيرة نت - عبر 5 قارات.. هكذا استغل لوفوغل التعليم لاصطياد أطفال طوال 50 عاما وكالة سبوتنيك - علماء روس يطورون علاجا خلويا جديدا لمواجهة سرطان الجلد وكالة شينخوا الصينية - مقالة خاصة: مهنة جديدة في عصر الذكاء الاصطناعي.. مدرب الروبوتات الذي يعلمها كيف تتصرف كالبشر الجزيرة نت - توقعات بممارسة نتنياهو ضغوطا على ترمب بشأن إيران خلال لقائهما اليوم القدس العربي - الأرباح الفصلية لسيمنس للطاقة تزيد إلى 3 أمثالها بدعم من طلب الذكاء الاصطناعي العربية نت - نمو مخزون الشركات في أميركا بأقل من التوقعات
عامة

جو 24 : اقتصاديات اللا تنمية: حين تصبح القمامة سياسة عامة!

جو 24
جو 24 منذ يومين
120

اقتصاديات اللا تنمية: حين تصبح القمامة سياسة عامة! جو 24 : كتب أ. د. عبدالرزاق بني هاني - استيقظتُ لتوي من منام، حيث كنت في جزيرة الأحلام، ولا يزال الرمل عالقاً بحذائي. وقد قال لي الجني المُشاغب، الذي...

ملخص مرصد
يصف الكاتب رحلة خيالية بين جزيرة نظيفة مثالية ومدينة مهملة تُدعى أوستنشيا، حيث يظهر جني من القمامة ليكشف عن حقيقة الإهمال المؤسسي والسياسي. ينتقد الكاتب الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي، ويؤكد أن التدهور البيئي يعكس تدهوراً أخلاقياً وسياسياً أعمق.
  • الكاتب يقارن بين جزيرة نظيفة ومدينة أوستنشيا المهملة
  • ظهور جني من القمامة يرمز للحقيقة المخفية وراء الإهمال
  • نقد الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي
  • القمامة كرمز للإهمال المؤسسي والسياسي
  • دعوة للعناية الفعلية بدلاً من الشعارات الفارغة
من: الكاتب والجني الرمزي أين: جزيرة خيالية وأوستنشيا

اقتصاديات اللا تنمية: حين تصبح القمامة سياسة عامة! جو 24 : كتب أ.

د.

عبدالرزاق بني هاني - استيقظتُ لتوي من منام، حيث كنت في جزيرة الأحلام، ولا يزال الرمل عالقاً بحذائي.

وقد قال لي الجني المُشاغب، الذي رافقني في رحلة جزيرة الأحلام، بأن الجزيرة كانت مِلكاً لعائلة بدوية؛ لا وزارات فيها، ولا لجان، ولا شعارات مدهونة على جدران متشققة.

يوجد فيها فقط الريح الهادئة والماء، وفهمٌ جماعي بسيط وعميق، مفاده بأن الأرض التي تمشي عليها ليست مكبّاً، بل شاهداً.

ولم تكن هناك لوحات إعلانية تتغنّى بالنظافة، ولا مؤتمرات صحفية تحتفل بالإدارة الرشيدة.

ومع ذلك، كانت الشوارع نظيفة على نحو مهيب؛ ليست فارغة، بل مُحترَمة.

حتى حاويات النفايات بدت كأنها مندهشة من قلّة ما يُلقى فيها.

فتذكّرتُ، بسذاجة، أنني قلت في نفسي هذا هو الغنى الحقيقي.

ليس الرخام، ولا الأبراج الزجاجية، ولا الهندسة الصاخبة للعواصم الكبرى، بل الغياب؛ غياب الإهمال، غياب اللامبالاة، غياب الأكاذيب التي تُقال كل يوم حتى تتحجّر وتتحوّل إلى سياسة.

وحين عدتُ إلى أوستنشيـا، شعرتُ أن الهواء أثقل، كأنه استُهلك مراراً في تبرير الأشياء.

استقبلتني القمامة قبل البشر.

قوارير مرمية كجنودٍ أنهكهم القتال، وأكياس بلاستيكية تتشبث بالأسوار كأنها تطلب لجوءاً، وأوراق كانت يوماً رسمية، مختومة، موقّعة، مبتلة، مجهولة الهوية، في مجاري الطرقات.

لم تكن المدينة منهارة؛ كانت فقط مُتروكة، كما تُترك غرفة ظنًّا أن غيرك سينظفها.

ومع ذلك، من اللوحات والخطب والمقابلات المصقولة لغوياً، كانت المدينة تُعلَن أنظف المدن، والأكثر إدارةً وتنظيماً.

وكانت الكلمات تطفو فوق الشوارع كالبخور، الذي كنت اشتمه في جزيرة الأحلام، تحاول أن تُقدّس ما لا يجرؤ أحد على لمسه.

عندها ظهر الجني.

لم يخرج من نار ولا دخان.

بل نهض ببطء من علبة مشروبٍ مهشّمة، يتمطّى كمن يستيقظ من نومٍ طويل.

فقال وهو يراني أنحني لأركل علبة ألمنيوم فارغة ملقاة في وسط الشارع، لأضعها قرب قارعة الطريق لعل عامل التنظيفات يراها، ويرميها في أقرب حاوية، أنت تنحني كثيراً.

فقلت لا أريد أن أتعثر، أو يتعثر بها غيري.

لكنه ابتسم وقال لا أنت تنحني لأن أحداً غيرك لا يفعل.

رافقني الجني في طريقي إلى المصرف (البنك).

كل خطوة كانت تثير غباراً وتاريخاً.

كان يرتدي معطفاً مُخيطاً من وعود انتخابية قديمة، أطرافه متآكلة.

فقال تريد المال، أليس كذلك؟ الجميع يريد.

لكن عليك أن تعلم أن أوستنشيا تسحب من رصيدها منذ سنوات.

سألته عمّا يقصد.

أشار إلى الشارع، وقال هذا هو كشف الحساب.

فكل زجاجة كانت قراراً مؤجّلاً.

وكل كيس بلاستيكي كان اجتماعاً انتهى بالتصفيق دون فعل.

وكل ورقة مهملة كانت نظاماً كُتب بلغة بديعة ولم يُنفّذ قط.

كنت أنحني، مرة، أو مرتين، وفي بعض الحالات أنحني مئات المرات؛ أحاول أن أعيد لملمة المدينة قطعة قطعة.

والجني يعدّ خطواتي بصمت.

فقال أخيراً إنهم يعشقون الإحصاءات، يقيسون كل شيء إلا ما يهم.

أطناناً جُمعت، موازنات خُصصت، لجاناً شُكّلت.

لكن لا أحد يقيس العناية.

العناية لا يمكن خصخصتها.

عند باب المصرف، انفتحت الأبواب بتثاقل، كفمٍ أُجبر على قول الحقيقة.

في الداخل، الأرضيات مصقولة.

في الخارج، الرصيف متآكل.

فسألته لماذا هكذا؟ فاقترب وهمس لأن أوستنشيا تُدار كغرفةِ جلوسٍ لن يراها الضيوف.

كل ما هو مهم مخفي في الداخل، وما هو عام يُعامل كأنه مؤقت.

ثم بدأ يكشف لي أسراراً، لا أسماء، ولا فضائح، بل أنماطاً من السلوك.

فتحدث عن سياسيين ينظفون للكاميرات، ويتركون بقية اليوم للإهمال.

وتحدث عن مكاتب تُمرَّر فيها المسؤولية كما يُمرَّر مرضٌ مُعدٍ.

وتحدث عن مسؤولين يخلطون بين الإعلان والإنجاز، وبين الظهور والفضيلة.

قلت إنهم نائمون.

فصححني بالقول إنهم لا ينامون.

إنهم يدخلون في سباتٍ انتقائي.

يستيقظون للانتخابات، وينامون للعواقب.

خارج المصرف، كان الشارع ينتظر، كما هو، بلا تغيير.

انحنيتُ مرة أخرى.

قال الجني: الجزيرة التي زرتها لم تحتج إلى شعارات.

العائلة البدوية كانت تعلم أن القذارة ليست قذارة فقط؛ إنها ذاكرة.

إن سمحتَ لها بالتراكم، فهي تُعلّم الجيل القادم أن التدهور أمر طبيعي.

أما في أوستنشيا فقد أصبح التدهور ورقَ حائطٍ ثقافي.

فالأطفال يعبرون فوق القمامة كما يعبر الكبار فوق الوعود المكسورة، بحذر، دون توقّف، دون غضب.

رفع الجني قارورة بلاستيكية نحو الضوء وقال هذه ستعيش أطول من كل خطاب أُلقي هذا العام.

وهنا بكيت كالأطفال.

وسألته لماذا بقي هنا.

فقال المدن تستدعي الجِنّ حين ترفض أن تُكلّم نفسها.

أنا الصوت بين المكنسة وصندوق الاقتراع.

ومع الغروب، بدأت القمامة تتوهج بخفوت، تعكس أضواء الشوارع التي تعمل أحياناً كالمساءلة.

بدت المدينة متعبة من التظاهر.

قال الجني بلطف: لن تستطيع تنظيف أوستنشيا وحدك.

لكن انحناءك له معنى.

إنه يفضح الكذبة.

وقبل أن يتلاشى، ترك لي حقيقة أخيرة: المدينة النظيفة ليست تلك التي تخلو من القمامة، بل تلك التي لا يجرؤ أحد فيها على الادّعاء بأن القمامة غير مرئية.

ذاب الجني في الشارع، في العلب والأوراق والزجاجات، حيث سيبقى منتظراً، بصبر، المواطن التالي الذي يلاحظ أن الأرض تتكلم.

استقمتُ أخيراً، كي أدون ما رأيته في الكابوس.

لكن يداي متسختان، حذائي تالف، وعقلي صافٍ.

وقلت بأن "أوستنشيـا لا تحتاج إلى شعارات أفضل.

بل إلى نائمين أقل، ومنحنين أكثر".

إلى سحرٍ أقل في الخطب، وسحرٍ أكثر في الفعل البسيط، الجذري، ومفاده أن نعتني بما نطأه كل يوم.

وإلى أن يحدث ذلك، ستبقى الجِنّ مستيقظة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك