حديث من لم يدع قول الزور من الأحاديث النبوية الجامعة التي ترسخ البعد الأخلاقي للصيام، وتؤكد أن هذه العبادة لا تقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل تمتد لتشمل تهذيب السلوك وضبط اللسان والجوارح، وقد أولت دار الإفتاء هذا الحديث اهتمامًا خاصًا لما يحمله من دلالات تربوية وتشريعية عميقة.
وأشارت دار الافتاء إلى أنه قد ورد عن النبي ﷺ قوله: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، وهو حديث يوضح أن الصيام الحقيقي هو صيام الجوارح عن المعاصي، وفي مقدمتها قول الزور، الذي يشمل الكذب وشهادة الزور وكل قول باطل يترتب عليه إفساد أو ظلم.
وبينت «الإفتاء» نقلًا عن أئمة الفقه، أن قول الزور في أصله يتجه إلى شهادة الزور، لما لها من أثر بالغ الخطورة في إبطال الحقوق وإحقاق الباطل، فقد عرّف الإمام القرطبي شهادة الزور بأنها الكذب الذي يُتوصَّل به إلى إتلاف نفس أو أخذ مال أو تحليل حرام أو تحريم حلال، وأكد الإمام ابن حجر الهيتمي أن شهادة الزور هي الإخبار بما لا يتحقق الشاهد من صحته.
وأوضح العلماء، ومنهم الإمام ابن دقيق العيد، أن الكذب تتفاوت درجاته بحسب مفاسده، وأن شهادة الزور من أعظم أنواعه، حتى قرنها النبي ﷺ بالشرك بالله تعظيمًا لخطرها، لما يترتب عليها من ظلم وعدوان وفساد في المعاملات والعلاقات الاجتماعية.
وأكدت دار الإفتاء أن الحديث لا ينفي صحة الصيام من الناحية الفقهية، لكنه يحذر من ذهاب أجره وثوابه إذا لم يلتزم الصائم بترك الزور والباطل، فالصيام عبادة إصلاح وبناء، لا تتحقق ثمرتها إلا بصدق اللسان ونقاء السلوك، فحديث من لم يدع قول الزور رسالة واضحة بأن الصيام مدرسة أخلاقية متكاملة، تهدف إلى تزكية النفس، وتحقيق العدل، وصيانة المجتمع من الكذب والباطل، ليكون الصائم أهلًا لرضوان الله وأجره الكامل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك