وأنت تجمع ما تبقى لك من أنفاس الحياة.
وتنظر إلى السقف المؤثث بنظراتك.
وتتعطر بآخر أرج اللغة الفياض مجازات واستعارات.
وتترك ابتسامتك المحملة بإرث الترحال بين شارع وشارع في مدينة (ج) أو عاصمة الجلبة، أو هناك على ربوة الوجود.
رأيتك تلوح للعابرين صوب المنافي الداخلية، أو في اتجاه مصير مجهول بيديك النابضتين بسر الحروف، ودم القبيلة الخافق بنقصان الكريات الحمراء أو نقصان الحديد.
ترفّ عيناك ببهجة تعجز ملكة الخيال رسمها واستيعابها.
حينها أيقنت أنك من سلالة الرجال الذين يتخلصون من تفاهة الصراعات والحروب المعلنة والسرية، والزعامات الوهمية التي تغري الألباب الصغيرة والقلوب الضيقة المحبة.
الرجال الذين ينتسبون للنور والبراري الموحشة، والمسالك العسيرة التي لا يشق أسرارها، إلا من خبروا سرائر الباطن.
وأنت كنت منهم أيها القلم الذي يحب الحياة، وينتبذ غار العزلة لا انتظار الوحي.
بل لتلعن الأضواء وتسدل النوافذ التي تأتي منها تلك الرياح السموم واليحموم.
لترتكن زاوية العالم وتشعل قنديل خوافقك.
وتوقظ حواسك وحدوسك لتتقرى عتمات المظان والأطراس والأسفار.
حيث القلب يوقع على البياض سيرة الحياة والتاريخ، والحضارة والتجارب والمحن والإحن المتناثرة هنا وهناك.
.
أراك متأبطا حقيبتك السرية المثقلة بخفة روحك، المحملة بأحلامك المأمولة والمغتالة.
لا تبالي بجلبة العالم ولا تلتفت جهة اليمين أو اليسار.
كنت قبيلة لوحدك تنشد قصائد من دمك الفوار، ورؤاك التي تطارد المستقبل.
وتكره الإقامة الواجهة.
كم كنت تنفر من صراخ المجالس وعويل الألسنة.
لذا تنسل خفية إلى مقامك الدكالي هناك، حيث الأولياء ينصبون الفخاخ للغريرين، وأسوار الحي البرتغالي تحرس المدينة من لصوص الوطن، والناس يجوبون الشوارع في عتمة النهار، لتقيم أعراسك البهية في باحة الكتب باحثا ومترجما، شاعرا يرعى استعاراته ويشذب اللغة من شوائب البيان ناحتا لغتك التي تشبهك.
.
تعدو بظلك تتبعك نوارس البحار.
تظللك غيوم النهار القادمة من رحم المحيطات.
تحمل ما تبقى لك من وهج المدينة.
وتتخفف من ثلج المرحلة…).
عندما صافحتك أول مرة في أحد معارض الكتاب، وأنت محاط بثلة من خلانك في الخيال، أحسست كم كنتَ نبيلاً وإنسانا مفرطا في تواضعك، وحين سألتك: هل عرفتني؟ ودون تلكؤ في اللسان الذي سال بجواب أشفى الغليل أالله أسي صالح نعم المعرفة.
فعانقتني وقلت لي: أيها الصالح اكتب ولا تهتم بما يقال ومن يقول.
لحظتها شرقت عيناي بفرح لا يوصف، ولذت بالصمت.
حينها أدركتُ كم أنت شهم يا ابن دكالة المكان المشع بالرجال الأقحاح والأشاوس.
منذ ذاك الحين وأنا أحملك في القلب والذاكرة.
وأقرأ لك ما تخطه يداك، ويمخضه عقلك من أفكار وتصورات وتصبها أساليب ممتعة تجعل الجسد يتخلص من أدرانه الممجوجة.
ويسمو إلى عوالم الطهر والنقاء.
لم أجالسك كثيرا، ولكني صاحبتُ مقالاتك وترجماتك المتفرقة في التاريخ والسرد والشعر.
.
ترمم لسان الحال بأنثى الخيال.
تربي بين صحْوٍ وآخر غيمة شاردة.
تنظر من عين القبر إلى السابله .
إلى ليل الصمت، وخريف السنابل.
ما أمر الحياة في غيابك .
وأنت يا صاحبي أمة واحده).
فكيف لعظيم خلف إرثاً نتقاسمه جذلا.
ونكرعه كؤوس صحْوٍ من خمرة المعرفة.
نسيح في وهاد الاستعارات وبحور الإيقاع اليومي، حيث اللغة رشيقة وخفيفة من بِطْنة المعاجم وكولسترول بلاغة جامدة.
نطارد فراشات المعنى دون نيلها، فنسقط زهوا بمجازات تحتفي بالحياة ومساربها، بالوجود وقلق أسئلته.
هكذا كنتَ أيها الرفيق في تعب الحياة، مثقلا بالأسئلة المحرجة والجريحة، بجرح الكتابة النازفة بعزلة الأدباء والشعراء والمفكرين.
وأنيساً لجمرة الإبداع الأصيل والمتأصل رؤية وتصوراً.
ها دمك الذي توزعته قبائل الخبر والسرد والشعر، الفكر والتاريخ والتراث يشهد لك بأنك لم تعبر الحياة وجسورها كما يعبرها الناس العاديون، بل خضت مضائق الوجود، ومتاهاته الموغلة في الحيرة والإدهاش والالتباس، وسلكت دروب الحياة يافعاً ونافعاً.
طارحاً إشكالات الذات والعالم عبْر الأنا والآخر.
وتشهد عليك هذه المتون المنسوخة بعرق جهدك وإخلاصك الأبدي، من أجل وطن مفتوح على الجمال والجلال.
فمن «ذاكرة متشظية» محتفيا بالمفكر المغربي الخطيبي، كذاكرة معرفية نفتخر بها ونجلها، مضيئا بعضا من سيرتها وسيرتك المتوارية خلف اللغة وعلاماتها.
بينما «الفتان: محكيات من سيرة الروكي بوحمارة» و»قصة حب دكالية» و»طعم المربيات: طفولة يهودية في المغرب» و»التبوريدة: فن الفروسية المغربي» و»خياطو السلطان» و»كاترسيس» من دون إغفال دواوينك الشعرية الناضحة رؤيا وعمقا كتابة وتصورا «Rien … ou presque» «Un senblant de déraison» «Résidus d’un autoportrait» تسرد حكايتك بين القراء ومحبي نار بروميثيوس تاريخا معرفيا خالدا خلود الإنسان في الوجود.
.
دع سماءك تروي عطش الأفئده.
واتل ما تيسر من جذل الطفوله.
وبوح النساء للمغازل النائحه.
فالأنهار تحفظ سرائر الندى.
والبيوتُ توقد الموائد بكؤوس النجوى .
وأنت ترحل عن هذه الأرض الموبوءة بعبارة الشاعر الجميل مخلص الصغير إلى عالم أفضل.
كنتَ تعرف كيف توسع العبارة.
وحين يضيق الجسد تلقي علينا ظلالك – فالظلال تشهد على أن الأشجار وإن خانتها السماء تظل شاهقة المعنى والدلالة – فتنسحب بهدوء الدراويش المتنسكين في محراب البواطن والكوامن، يكشفون النيران المتقدة في فرن البدن.
وأنت من هؤلاء الأحبة تطفئ نارك بعيداً عن الأفران المشتعلة حروباً وزعامات وهمية.
لا تكثرت بالصراخ ولا تجعله سِمْتاً، بقدر ما تبحث عن أقصر الطرق للوصول إلى باب العزلة.
حيث الصمت والهدنة والسكينة ذخيرتك هناك.
تدَعُ العالَم في الحروب، بينما روحك في سلام داخلي تعانق رحابة البيت الصغير وأنت تطارد فيه اللغة وحيواتها.
وتسهر على رعاية الأحلام البسيطة بصبر أيوبي بعيدا عن ندامة الكسعي، وقريباً من الحياة.
.
وأنت في الذاكرة شعلة تضيء .
هدنة النوارس على أبراج المحيط.
تحرس المدافع الصدئة من القراصنة المحتملين .
توزع من هناك وردة الحياة .
على موتى يصنعون الفراغ ويبتهجون .
لا مدن في الأفق ترعى المجازات.
فقط أنت تخرج من قبرك مزهوا بضحكات.
والذكريات التي تركتها على أرصفة المدينة.
أينعت نخيلاً يؤنب الضمائر.
ويبقى شاهقا نكاية في الحضيض….
وأنت وحدك تمر هذا المساء تلقي غيابك .
لم تمت أيها العاهد، كل ما في الأمر أنك انسحبت من قبيلة الموتى، وتركت البيت مشرعاً على ريح مقبلة من الجنوب محملة برسائل أودعتها صندوق الحياة.
وأوصيت ألا تفتح إلا بعد مغادرة الموتى والنزوح صوب الحياة الأبدية، حيث الجسد معافى من اغتيابهم وشرورهم.
أما الروح فما زالت رهينة الوجود.
تقيم في الأبدية، تغني، ترقص، تتجرد من تفاهات العالَم وحروبه وتناطحاته وقلاقله.
في حين يترصد الطفولة الخراب والأنقاض فيرديها على ناصية المطامع والمصالح.
.
وأنا في مقهى «Gran Via» ببني ملال تلك المدينة التي التهمها الإسمنت، وماتت فيها البساتين والجنائن والخضرة، وأشجار الصفصاف ومسك الليل، ونام فيها الخرير الذي استيقظ هذه السنة لكنه تنهد بألم وأسف لما أصابها من مباءات، وقد عثر عنه مطوقا بالعمارات المليئة بالموتى والأغلال على الشرفات والنوافذ، وبالمقاهي التي تتناسل كالفِطَر.
وبزبائن ورواد المقهى غارقين في متابعة مباراة الدوري الإسباني، حيث العيون شاخصة والقلوب خانعة والروح مأسورة، أما الأجساد فميتة.
وأنت الحي الذي يسخر من الجميع من علياء قبرك السابح في ملكوت الله.
.
نحن الموتى نرتب للحياة النعوش.
نسامر تيههنا الأبدي، ضياعنا البابلي.
سحنتنا الفرعونية، ونمضغ عزلتنا المغربية.
ونغلق الأبواب كموتى يتربصون بالحياة.
حيث الملائكة يسرحون الغيوم .
يضيئون ما تبقى من أمل .
بينما أنت يا صاح ما زلت هنا وهناك .
تُحْرجُ صمتنا، عجزنا، انتظارنا اللانهائي).
أعرف انشغالك بالمتون قراءة وتدبراً، سابحا في تلك الأصداف الموسعة المعنى والرحبة في الدلالات.
همك الوحيد هو أن تقرأ كل ما يثير حفيظتك الذوقية.
ويستفز حواسك المنتبهة للعابر والسرمدي.
لكن تسقط في هوى المفيد والعميق والأصيل.
لذا وجدت فيك المثقف المتعدد والمختلف في الآن ذاته.
لا تضع وجودك القرائي محصوراً في ضرب أدبي واحد، بقدر ما كنت ميالاً إلى النصوص التاريخية والسيرية والسرود الروائية والإنسانية.
ولعل هذا ما أغنى تجربتك الإعلامية المتميزة والمثرية للحقل الثقافي.
وكذا تجربتك الشعرية التي اخترت لها لسان موليير لتبث رؤاك ووجودك الإبداعي.
وما خلفته من ترجمات وإبداع ومقالات يكشف معدنك الفكري والأيديولوجي والثقافي الصادق.
وهذه سجية من سجايا المثقف الإعلامي.
إذ تجمع بين التجربة الوجودية والوعي بالعمل الصحافي في تشكيل النص المأمول النابض بالحياة والمعرفة.
.
هذه الشهادة عربون صداقة إبداعية أولا.
وثانيا هي لله لا نرتضي منها سوى الاعتراف بمرورك الذي خلّف أثره الخالد ذا البعد الوجودي والبصمة الإنسانية.
وأيضا تمجيدا وتوقيرا لروحك الفياضة بالمحبة والتواضع والإنصات، وأياديك البيضاء السابغة على الكثيرين من الشباب المتطلع، وهم في طريق البدايات إبداعيا وإعلاميا.
وهي شيمٌ ومناقب قل من يتصف بها في زمن إعلامي يعاني اختلالات وعلل ذاتية وموضوعية.
وما انخراطك فيه بحب ومسؤولية إلا دليل على صدق طويتك وحسك بقيمة، وجدارة الفعل الإعلامي في التنوير، ليكون سلطة رابعة بالمعنى الحقيقي.
فنم قرير العين والقلب فقد تركت الحياة لطبول حرب مقبلة.
.
سماءٌ تعد عشاءنا القادم على موائد الموتى .
بينما الأحياء في قبورهم ينعمون .
فأراك طائرا يمجد سنابل العزلة .
مسالك الغرباء المدججة بظنون الأنفاس.
أراك ولا أراك فتراني أعزل مني.
وينحني لظلالك المنثورة على ضفاف الشجر).
.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك