بين مطرقة الغياب وسندان الندم يقف القلب عارياً من كل دروع الكبرياء متخففاً من ثقل العتاب الذي لم يورثه إلا وحشة المسافات حين نصل إلى اللحظة التي ندرك فيها أن “الانتظار” لم يعد فضيلة بل هو احتراق بطيء و نكسر جرة الصمت ونمضي نحو مرافئ الاعتراف ليس ضعفاً بل إيماناً بأن مَن شيدنا معهم صروح الود لا يستحقون منا جفاء الخصام.
ما أصعب أن يتحول “العتاب” وهو لغة المحبين إلى سجن انفرادي نحكم به على أنفسنا بالوحدة تلك الكلمات التي حبسناها في صدورنا ظناً منا أنها ستحفظ كرامتنا لم تكن سوى قضبان من حديد أحاطت بقلوبنا وتركتنا في مهب الشوق والعذاب.
كيف لهذا القلب الذي كان يراك جسراً للعبور فوق الصعاب ومفتاحاً لألف باب موصود أن ينكفئ اليوم على جرحه؟إن الاستمرار في لوم مَن نحب هو نوع من النزيف الداخلي؛ فنحن لا نعاقبهم هم فحسب بل نعاقب تلك “الخلوة” الجميلة التي كانت تجمعنا ونغتال الذكريات التي كانت يوماً ما ملاذنا الوحيد.
إن كان “زهو الحسن” قد أخذ منك مأخذه فليكن “نبل العشرة” هو ميزانك الذي لا يميل فالحسن الذي يسكن العيون قد يغره الدلال لكن الأصالة تقتضي الأمانة في الود حتى آخر المدى كيف للذاكرة أن تخون لهفة القلب أو تمحو أثر الحنان الذي فاض يوماً من كفيك؟حتى حين يتردد صدى اسمك في الآفاق البعيدة تظل استجابتي هي ذاتها وقفة المرتعش الذي يمد يديه نحو طيفك تائقاً لبريق الرضا تماماً كما يتبلل النسيم بقطر الندى في الصباحات الحالمة إنها حالة من الوهج الوجداني الذي لا يطفئه غضب ولا يمحوه جفاء.
في محراب الأصالة العودة للذات ….
نحن نعلم يقيناً أن الجمع بين “الجمال الفاتن” و”الطبع النبيل” هو من المستحيلات التي تجسدت فيك لكننا نعلم أيضاً أن للحسن ضريبة وهي ذلك الغضب الذي قد يجور وخصام قد يمتد لشهور كليل طويل لا فجر له.
لكن وأمام كل هذا الجور يظل الإيمان بأصالتك هو البوصلة فالمحب الحقيقي لا يرى في عيون حبيبه إلا “سلام الدنيا”؛ ذلك السلام الذي يغني عن كل الأدلة والبراهين.
عندما تضحك الدنيا في عينيك تتهاوى كل حصون الخصام ويصبح التمسك بالزعل نوعاً من العبث.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك