في أعقاب الحرب الإسرائيلية على إيران في يونيو/ حزيران الماضي، زعم رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، إزالة تهديدين فوريين على إسرائيل، وهما المتمثلان بتدمير النووي و20 ألف من الصواريخ الإيرانية، كما قال بنفسه غداة وضع الحرب أوزارها في 24 من الشهر نفسه، مضيفاً أنه" لو لم نتصرف الآن لكانت إسرائيل تحت خطر الإبادة".
ثمانية شهور مرّت مذّاك، فيما عادت إسرائيل أخيراً لتحذر العالم من أن مشروع الصواريخ الباليستية الإيراني" يهدّد المنطقة برمتها".
أمرٌ تعتبره طهران خطاً أحمر في المفاوضات مع الولايات المتحدة، وعلى الأقل في العلن ترفض النقاش بشأنه.
وفي هذا الصدد، ذكر موقع واينت العبري، اليوم الأربعاء، أن قلق إسرائيل ينبع من حقيقة أن الولايات المتحدة تخطط لمواصلة المحادثات، رغم رفض إيران مناقشة مشروعها الصاروخي.
قبيل إقلاع طائرة نتنياهو إلى الولايات المتحدة غداً الثلاثاء، لعرض شروط إسرائيل على الرئيس دونالد ترامب، وفي مقدمتها عدم التخلي عن تقييد الصواريخ الباليستية الإيرانية، وألا تكتفي المفاوضات بالملف النووي، تُثار جملة أسئلة حول الادعاءات الإسرائيلية وخصوصاً حول تهديد الصواريخ الإيرانية لـ" المنطقة"، فإلى ماذا تستند إسرائيل بالضبط؟ وما خلفيات تحريضها؟ وقبل أي شيء، كيف تعمل الصواريخ عموماً ومن ضمنها الإيرانية؟صواريخ إيران الباليستية، حالها حال أي صواريخ، تعبر ثلاث مراحل بعد الإطلاق؛ الأولى وهي التسارع، حيث تعمل محركات الصاروخ على إيصاله إلى السرعة المطلوبة، والثانية هي مرحلة الطيران الحرّ في الفضاء؛ حيث يتحرر الصاروخ من محركه حتّى يبلغ قمة المسار الباليستي، وثالثاً السقوط، حيث يعود إلى الغلاف الجوي فاقداً في هذه المرحلة الجزء الغالب من سرعته، ومع ذلك يواصل الطيران بسرعة تصل إلى آلاف الكيلومترات في الساعة، لينتقل إلى الاختراق، حيث يدخل عادةً الرأس الحربي للصاروخ إلى الغلاف الجوي، إلى أن ينفجر بالهدف، أو يُعترض.
ما الذي تدعي إسرائيل أنه حدث منذ الحرب التي شنّتها على إيران؟بعد الحرب في يونيو/ حزيران 2025، انتشرت تقديرات أمنية إسرائيلية تفيد بتدمير نحو 200 منصة إطلاق صواريخ، أي ما يعادل نصف إلى ثلثي إجمالي منصات إطلاق الصواريخ الباليستية التي كانت بحوزة طهران.
ومع ذلك، فإن هذه التقديرات لم تتطرق إلى عدد الصواريخ نفسها.
وفي هذا الصدد، زعم جيش الاحتلال أن طهران قررت، حتى قبل الحرب، المضي قدماً في إنتاج ما بين نحو 2500 إلى 8000 صاروخ سنوياً.
وبحسب ما ذكره" واينت"، نقلاً عن تقديرات استخبارية إسرائيلية، فإن إيران تنتج في الأثناء مئات الصواريخ الباليستية شهرياً.
غالبية هذه الصواريخ تعتمد على الوقود السائل، ولكن ثمة أيضاً صواريخ دقيقة تعتمد محركاتها على الوقود الصلب.
وفي حالة إطلاقها بكميات كبيرة، يصعّب ذلك على منظومات الاعتراض الأميركية أو الإسرائيلية إسقاطها جميعاً، وفقاً للموقع.
كيف تُعرّف إسرائيل استخدام طهران الصواريخ؟تعتبر إسرائيل أن مجرد امتلاك إيران الصواريخ، حتى من دون إطلاقها، يخدمها بدرجة كبيرة.
والسبب كما تدعي أن الدروس التي استخلصتها من الحرب الماضية جعلتها تدرك أن صواريخها وسيلة رادعة، وربما الوسيلة شبه الوحيدة المتبقية لديها، ما دامت لا تمتلك برنامجاً نووياً أو قدرة على تطوير سلاح من هذا النوع.
أمّا الغرب في عمومه فينظر إلى هذه الصواريخ باعتبارها تهديداً تقليدياً للشرق الأوسط برمته؛ إذ يمكن لهذه الصواريخ أن تُستخدم أيضاً لحمل رؤوس نووية، إذا ما تمكنت طهران من تطوير أنواع كهذه.
أي صواريخ إيرانية قادرة على تهديد إسرائيل؟تملك إيران صواريخ باليستية بمديات مختلفة؛ وبحسب التقارير الإيرانية نفسها فإن أطول مدى لها هو 2500 كم.
وطبقاً لتقرير أصدره مركز أبحاث CSIS ومقرّه واشنطن، فإن لدى إيران عدداً من الصواريخ القادرة على استهداف إسرائيل، وجزء منها قد استخدم في الحرب الماضية، وهي: " سجيل" الذي يتحرك بالوقود الصلب ويصل إلى مدى حتّى 2000 كم؛ و" عماد" الذي يتحرّك بالوقود السائل ويصل إلى مدى حتّى 1700 كم؛ و" قادر" بمدى 2000 كم؛ و" خرمشهر" بمدى 2000 كم ويحمل رأساً حربياً متفجّراً يزن حتّى 1.
8 طن.
ماذا عن الصواريخ التي قد تستهدف القواعد الأميركية؟جميع الصواريخ في الترسانة الإيرانية تقريباً، بدءاً من" شهاب 1" الذي يصل مداه إلى 300 كم، مروراً بــ" ذو الفقار" الذي يصل مداه حتّى 700 كم، وحتّى" شهاب 3" بمدى ما بين 800 - 1000 كم، بمقدورها أن تصل إلى القواعد الأميركية في المنطقة.
وبحسب صحيفة كلكليست الاقتصادية الإسرائيلية فإن الصواريخ الإيرانية تتوزع على عائلات، أشهرها" شهاب" الذي يعتمد على الوقود السائل، ويُعبأ عادة قبل إطلاقه ما يفقده عنصر المفاجأة لإنه يلفت الانتباه بسبب حركة تشغيله والضجيج الذي يصدره.
بحسب" واينت" فإن عدداً لا بأس به من مواقع الإطلاق مقامة في العاصمة طهران أو محيطها.
وخلال الحرب الأخيرة نجحت إسرائيل في تعطيل إطلاق الصواريخ من غرب البلاد، وهي المنطقة التي تُعد الأكثر قُرباً من حيث المسافة إلى تل أبيب.
وهو ما صعّب على الإيرانيين إطلاق صواريخ ذات مديات أقصر.
وتملك إيران" مدن صواريخ" تحت أرضية في عدد من المناطق، بينها كرمنشاه الواقعة غرب البلد؛ سمنان في شمال البلاد، وأخرى في منطقة الخليج.
أين أثبتت الصواريخ الإيرانية قدراتها؟في إسرائيل نجح جزء من الصواريخ الإيرانية في إحداث دمار هائل عندما أصابت الأهداف بالفعل، فيما نجحت منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية في اعتراض مئات الصواريخ الباليستية وإسقاطها، غير أن تلك التي سقطت نجحت في إحداث دمار كبير وأسفرت عن 29 قتيلاً.
وبالمجمل سجّلت إسرائيل نسبة نجاح وصلت إلى 86% في إسقاط الصواريخ واعتراضها.
أمّا التي أصابت أهدافها فقد تركت شققاً وأبنية مدمّرة ومهدمة بالكامل، بعضها لم يُعد إعماره وتأهيله إلى اليوم.
لكن صواريخ طهران لم تطل إسرائيل فحسب، وهي حقيقة تعوّل عليها الأخيرة للتأثير في صنع القرار الأميركي مقابل إيران؛ إذ إنه خلال الحرب أطلقت طهران 13 صاروخاً على قاعدة العُديد في قطر، رداً على قصف الولايات المتحدة لمنشأة فوردو النووية.
وهذه المرّة أيضاً، تهدد إيران بأنها لن تبلّغ الأميركيين مسبقاً كما فعلت قبل الهجوم على" العديد"، والذي انتهى من دون أي إصابات.
وفي عام 2024 استهدفت إيران ما قالت إنه" مقر للموساد" في كردستان العراقية حيث دمّرت المبنى بالكامل.
وقبل ذلك، في عام 2020، رداً على اغتيال قاسم سليماني، أطلقت إيران عدداً من الصواريخ على قاعدة" عين الأسد" الأميركية في العراق.
أمّا الضربة الأكثر شهرة فهي التي تزعم الولايات المتحدة أن إيران كانت وراءها وليس الحوثيين في اليمن وهي تلك التي اعتبرت سابقة في استهداف مخازن نفط أرامكو في السعودية، عام 2019.
تبدي إسرائيل قلقاً من أن الرئيس ترامب قد لا يعتبر الصواريخ الباليستية الإيرانية خطاً أحمر.
ولذلك يخطط نتنياهو لزيارة واشنطن الثلاثاء، لإيصال رسالة مفادها بأن إيران" قابعة في الأثناء في نقطة ضعف، وأن هذه عملياً فرصة للقضاء عليها وتفكيك نظامها"، وفق" واينت".
ورسالة نتنياهو المركزية لترامب، بحسب الموقع العبري، هي أن تلك الصواريخ تشكّل" تهديداً وجودياً" لإسرائيل من حيث الحجم والمدى اللذين تخطط لهما إيران، وأنه يجب، بمرة واحدة وإلى الأبد، ضمان ألا تبقى إسرائيل تحت تهديد" الإبادة".
ماذا عن موقف إيران من برنامجها الصاروخي؟ترفض طهران، على الأقل في العلن، مناقشة كل ما يتصل بمشروع الصواريخ الباليستية، باعتباره يُشكل أداة دفاعية، وخصوصاً أن مشروعها النووي بات شبه معطل.
موقف كهذا تبدّى بوضوح في تصريح أطلقه نائب القائد السياسي لـ" الحرس الثوري" الإيراني، يد الله جواني، قبل أيام، وقال فيه إن الولايات المتحدة لم تهاجم إيران بفضل وجود برنامج الصواريخ، واختارت بدلاً من ذلك الدخول في مفاوضات، معتبراً أن عودتها إلى طاولة الأخيرة أتت بينما باتت" أكثر تواضعاً".
من يقف خلف المشروع الصاروخي الباليستي؟طبقاً لما كشفته" وول ستريت جورنال" الأميركية، فإن بناء الترسانة الصاروخية الإيرانية كان" مشروع حياة" أمير علي حاجي زاده، قائد سلاح الجو والفضاء في" الحرس الثوري"، الذي قتلته إسرائيل في افتتاحية الحرب على طهران.
القائد الذي اغتالته الطائرات الحربية الإسرائيلية مع أقران له، صعد في" الحرس" خلال الحرب الإيرانية - العراقية.
وفي عام 2009، حين تسلّم قيادة القوة الجوفضائية، دفع بمشروع الصواريخ إلى سقف آخر كلياً، حتّى إن إسرائيل تحمّله مسؤولية التخطيط في استهداف قاعدة" عين الأسد"، وكذلك في استهدافها للمرة الأولى في إبريل/ نيسان وأكتوبر/ تشرين الأوّل من العام 2024.
تفاؤل بمفاوضات مسقط فهل تخرّبها إسرائيل؟ما تقدّم هو عملياً ملخص للكيفية التي تنظر بها إسرائيل إلى هذا البرنامج.
منذ أسبوع انطلقت المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في العاصمة العمانية مسقط، ولئن عبّر الطرفان عن تفاؤلهما، فثمة من يقدر في تل أبيب أن واشنطن تستخدم الأداة الدبلوماسية لإثبات" شرعية" هجوم محتمل على طهران، بافتراض أن هذه المفاوضات آيلة إلى الفشل، كحال سابقتها التي شُنّت الحرب بينما كانت ملفاتها لا تزال مفتوحة على الطاولة.
ويربط هؤلاء ذلك بالقطع العسكرية التي استقدمتها واشنطن إلى المنطقة.
في الأثناء، فإن نتنياهو الذي يقدّم نفسه باعتباره مخلصاً لإسرائيل، وهو الذي توعد مراراً بإيصال" الهيكل الثالث" إلى عامه المائة ليتجاوز خراب من سبقوه، ونجح مرات عدّة في إبقاء أشرعة السفينة الأميركية محركة بما تشتيه الرياح الإسرائيلية.
الأيام التي ستلي زيارته إلى واشنطن كفيلة بأن تثبت إن كان الضوء في آخر النفق هو دليل على نجاح المفاوضات، أم ضوء قطار الحرب الآتي من الاتجاه المعاكس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك