مثلما كان الحال فى أية مفاوضات سابقة حول برنامج إيران النووى، تظل إسرائيل الطرف الغائب الحاضر فى المفاوضات الأمريكية ــ الإيرانية فى سلطنة عمان هذه الأيام، والتى تعد الأولى من نوعها منذ حرب الاثنى عشر يومًا، التى شنتها واشنطن وتل أبيب ضد طهران فى يونيو الماضى.
ودائمًا، يبتغى الإسرائيليون إنجاز مخرجات تتناغم مع شواغل بلادهم الأمنية ومصالحها الاستراتيجية.
مع جنوح إدارة ترامب إلى إرجاء ضربتها العسكرية لإيران وإفساح المجال للمفاوضات التى تريدها طهران انعكاسًا لإدارة الخلاف ضمن توازن القوى، تجاوز القلق الإسرائيلى الخطوط الحمراء ليبلغ مرحلة «الهستيريا الوجودية»؛ حيث تتخوف تل أبيب من أن تتمخض المفاوضات عن اتفاق يمنح إيران شرعية دولية بوصفها قوة إقليمية تحتفظ بترسانتها الصاروخية، التى تتطور بوتيرة متسارعة.
ومن ثم، هرعت تل أبيب إلى إقناع واشنطن بعدم التخلى عن الخيار التصعيدى ضد طهران، لتقويض برامجها التسليحية النووية، الصاروخية والمسيراتية، علاوة على إسقاط النظام، الذى لم تتورع دوائر إسرائيلية عن الاعتراف مؤخرًا بدعم الحراك الجماهيرى المناهض له.
ترى تل أبيب فى تقويض قدرات إيران العسكرية وتقليص نفوذها مقومات لتقوية المشروع التوسعى الإقليمى الإسرائيلى بدعم أمريكى، على حساب إضعاف المشروع الإيرانى المنافس.
وتوقن حكومة نتنياهو أن ضعف النظام الإيرانى حاليًا تحت وطأة الانفجار الشعبى الداخلى، تزامنًا مع توافر دعم أمريكى منقطع النظير لإسرائيل، يعد فرصة ذهبية لإعادة تشكيل موازين القوى فى المنطقة، بما يمهد للهيمنة الإسرائيلية عليها.
تفتأ إسرائيل تؤكد أنها ستكون شريكًا مباشرًا فى أية عملية عسكرية ضد إيران، سواء عبر تزويد واشنطن بالمعلومات الاستخباراتية الدقيقة والمستحدثة، وتقديم الخبرات والدروس المستخلصة من حربها الأخيرة على إيران، أو عبر الانخراط الفعلى فى الهجوم.
بموازاة ذلك، يغدو سيناريو «الضربة الإسرائيلية المنفردة» خيارًا مطروحًا على الطاولة إذا ما استدعى الأمر.
وانطلاقًا من مخاوف إسرائيلية من قصف صاروخى إيرانى كثيف عبر نحو 2000 صاروخ إيرانى متنوعة المديات والمهام على المراكز السكانية، أجرت الجبهة الداخلية بجيش الاحتلال أهم تمرين عسكرى يحاكى هجومًا صاروخيًا إيرانيًا يستهدف مركزًا سكانيًا إسرائيليًا ضخمًا.
قبيل انطلاق المفاوضات الأمريكية ــ الإيرانية فى سلطنة عمان، دعا نتنياهو إلى اجتماع عاجل للمجلس الوزارى المصغر للشئون الأمنية والسياسية لبحث سيناريوهات فشل المفاوضات واحتمالات العودة إلى التصعيد العسكرى.
واستبق نتنياهو الاجتماع بلقاء مع اللجنة السرية المنبثقة عن لجنة الخارجية والأمن بالكنيست، شدد خلاله على جهوزية الجيش لتوجيه ضربة عسكرية مؤلمة لإيران، يعتبرها أقسى وأشد وطأة من حرب الاثنى عشر يومًا.
وأكد عمق واستمرارية التنسيق الاستراتيجى الكامل مع الولايات المتحدة بشأن الملف الإيرانى.
وفى السياق ذاته، ذكرت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية أن رئيس هيئة الأركان، إيَال زامير، أبلغ مسئولين أمريكيين بأن إسرائيل مستعدة لتوجيه ضربات مفاجئة لأهداف داخل إيران حال اختار الإيرانيون طريق الحرب.
وشدد على أن أى تنازل أمريكى بشأن برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانى يُعد خطًا أحمر بالنسبة لإسرائيل، إلى جانب خطوط حمر أخرى تتعلق بالبرنامج النووى.
من هذا المنطلق، يظهر الدور الإسرائيلى كعنصر فاعل وحاسم، ليس فقط فى تحديد معايير أية صفقة محتملة، بل فى إدارة الديناميات العسكرية والدبلوماسية التى تحدد شكل وأفق أية مفاوضات.
وتسعى إسرائيل إلى التأكد من أن أى اتفاق نووى مع إيران لن يكون مجرد وثيقة سياسية، بل إطارًا يضمن أمنها الإقليمى واستقرار التوازن الاستراتيجى.
وتعمل على هذا المسار من خلال المزج المتكامل بين التحذيرات الدبلوماسية، التنسيق الاستخباراتى، والاستعداد العسكرى المشترك مع الولايات المتحدة.
وإذا فشلت الدبلوماسية فى لجم إيران، فالمرجح هو تصعيد مدروس لفرض ما عجزت السياسة عن فرضه عبر «جراحة عسكرية» تستهدف الترسانة الصاروخية ومراكز القيادة، دون التورط فى حرب شاملة مفتوحة.
فيما وصفه براد كوبر، قائد القيادة الوسطى الأمريكية، أثناء زيارته لإسرائيل يوم 26 يناير الماضى، بـ «عملية قصيرة وسريعة ونظيفة» ضد إيران.
فى الأثناء، توجه وفد أمنى واستخباراتى إسرائيلى رفيع المستوى إلى واشنطن محملاً بمعلومات وتقارير استخباراتية عن تطور برامج إيران النووية والصاروخية، مستهدفًا تحريض إدارة ترامب على عدم التراجع عن التصعيد ضد إيران بغية انتزاع اتفاق قوى منها.
بحيث يتضمن خمسة مطالب أساسية: تفكيك البنية النووية الإيرانية، تصفير تخصيب اليورانيوم محليًا، تسليم نحو 450 كيلوجرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% يُعتقد أنه مدفون تحت الأنقاض لطرف ثالث موثوق، إخضاع البرنامج النووى الإيرانى للرقابة اللصيقة، التى تعنى عودة مفتشى الوكالة الدولية للطاقة الذرية بصلاحيات مطلقة تشمل التفتيش المفاجئ لأى موقع عسكرى أو مدنى، بغير إخطار مسبق ودونما قيد أو شرط، تفكيك برنامج الصواريخ الباليستية، وإنهاء الدعم للجماعات الوكيلة فى اليمن، العراق، سوريا ولبنان.
واتفق الجانبان على مواصلة التنسيق الاستراتيجى مع واشنطن، يشمل تلقّى إسرائيل إخطارًا مسبقًا قبل أية ضربة محتملة ضد إيران، بما يتيح لها الاستعداد الميدانى وإطلاع قاطنيها على المخاطر المحتملة؛ كما يؤكد على طبيعة الشراكة الاستراتيجية الأمنية العميقة.
بالتزامن مع انعقاد مفاوضات مسقط، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تحليلًا بشأن البرامج النووية والصاروخية الإيرانية، تضمن فحصًا لصور عشرين موقعًا تعرضت للقصف من قبل إسرائيل والولايات المتحدة خلال حرب 12 يومًا فى يونيو الماضى.
ورصدت الصحيفة أعمال ترميم وبناء فى أكثر من نصف هذه المواقع، لا سيما تلك المتعلقة بالصواريخ الباليستية.
وعلى الفور، حذرت مصادر إسرائيلية من أن أى تراجع أمريكى قد يؤدى إلى «وضع أكثر خطورة» فى الشرق الأوسط.
إذ ترى حكومة نتنياهو أن توقيع واشنطن اتفاقًا نوويًا مع إيران لا يلبّى المعايير الأمنية التى تراها تل أبيب ضرورية لضمان الاستقرار الإقليمى وتعزيز موقف إسرائيل الاستراتيجى؛ إذ سيتيح لطهران تطوير أسلحة نووية وصواريخ باليستية، تعظيم نفوذها وتقوية شوكة وكلائها، بما يجعلها مصدرًا عالميًا رئيسًا للإرهاب.
فى إشارة واضحة إلى تأثير إسرائيل على مسار المفاوضات الأمريكية ــ الإيرانية، قصد مبعوث الرئيس الأمريكى، ويتكوف، إسرائيل قبل توجهه إلى مسقط.
وأثناء مباحثاته مع كبار المسئولين الإسرائيليين، أنصت إلى شواغلهم بهذا الصدد، ما يشى بأن الملف الإيرانى بات محور اهتمام مشترك بين واشنطن وتل أبيب، فيما ترتهن كل خطوة أمريكية مباشرة بتقديرات إسرائيل الأمنية والسياسية.
وهو ما يتجلى فى اشتراط إسرائيل استبقاء تفوق سلاح الجو والدفاع الجوى، وكذا تلقّى إخطار مسبق قبل أى هجوم محتمل على إيران، مع الاستمرار فى حشد القوات الأمريكية فى المنطقة لتعزيز الردع، بما يعكس فهمًا مشتركًا لأهمية القدرة العسكرية كأداة ضغط وتفاوض.
على وقع الإحباط الإسرائيلى من رضاء ترامب النسبى عن جولة المفاوضات الأولى، رغم انحصارها فى البرنامج النووى الإيرانى، وترحيبه بانعقاد جولة تالية قريبًا، هرع نتنياهو إلى تقديم موعد زيارته لواشنطن أسبوعًا؛ حيث كان ينتوى حضور المؤتمر السنوى للوبى الإسرائيلى الأمريكى (إيباك) خلال الفترة ما بين 18 ــ 22 فبراير الجارى، بموازاة المشاركة فى أول اجتماعٍ يترأسه ترمب لـ «مجلس السلام» ابتغاء جمع تبرعات لإعادة إعمار غزة.
وبتعمده اصطحاب قائد سلاح الجو الإسرائيلى معه، ينشد نتنياهو استعراض الجهوزية التامة، والتشديد على جدية التنسيق مع واشنطن بشأن ضربة عسكرية وشيكة ضد إيران.
وخلال لقائهما المزمع، وهو الثامن منذ عودة ترامب إلى منصبه مطلع العام الماضى، سيحرص نتنياهو على تبيان جدوى الاستهداف العسكرى لإيران، مع الحيلولة دون إبرام اتفاق نووى أمريكى ــ إيرانى يتجاهل التهديدات الإيرانية المتنوعة لأمن إسرائيل، وفى مقدمتها برامج الصواريخ، المسيرات، ودعم الوكلاء الإقليميين.
حتى تسطير هذا المقال، وبينما يخيم على المشهد المعقد والملتهب هدوء أشبه بذلك الذى يسبق العاصفة، يبقى نهج نتنياهو المرتكز على الجمع ما بين مخططات إفشال المفاوضات وتحريض واشنطن على التعجيل بالتصعيد العسكرى ضد إيران محط إشادة شركاء اليمين الدينى المتطرف فى ائتلافه الحاكم.
وبينما أفضى نجاح الجولة الأولى من مفاوضات عمان إلى تقليص هامش المناورة الإسرائيلى مرحليًا بعدما فاقم التحديات أمام أى تحرك عسكرى أحادى، ولو فى المدى القريب، تظل مآلات الأمور مرتهنة بما يضمره الرئيس الأمريكى للإيرانيين فى قابل الأيام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك