لا تروي طائرات “Hawk T-165” حكاية صفقة تسليح عابرة، بقدر ما توثق فصلًا جديدًا من فصول “توطين المعرفة” الذي تقوده السعودية منذ عام 2017.
وقد بدأت الرحلة بشراكة استراتيجية بين البرنامج السعودي البريطاني للتعاون الدفاعي وشركة BAE Systems، بهدف واضح يتجاوز الشراء إلى “التصنيع”، وهو ما أثمر عن تجميع 22 طائرة من هذا الطراز المتقدم بالكامل داخل المملكة، لتصبح العمود الفقري الجديد لتدريب طياري القوات الجوية الملكية السعودية وفريق “الصقور السعودية” للاستعراض الجوي.
ما يميز مشروع T-165 ليس التجميع النهائي فحسب، بل عمق الدخول في سلسلة الإمداد.
إذ تكشف البيانات الرسمية خلال تدشين الطائرة في معرض الدفاع العالمي بالرياض أن 25 شركة سعودية محلية شاركت في تصنيع أكثر من 3,114 قطعة ميكانيكية وإلكترونية دقيقة دخلت في بناء هذه الطائرات، مما يمثل سابقة صناعية هي الأولى من نوعها في المنطقة.
هذا الرقم يعكس تحولًا جذريًا من “المستورد” إلى “المُصنّع”، حيث تجاوزت نسبة الأيدي العاملة الوطنية في خطوط التجميع حاجز الـ 99%، وهم من الشباب السعودي الذي تدرب ليقود عمليات تجميع وصيانة واحدة من أكثر طائرات التدريب النفاث تقدمًا في العالم.
وعلى المستوى التقني، تعتبر T-165 النسخة الأحدث في عائلة “هوك”، حيث زودت بأنظمة طيران رقمية تحاكي مقصورات مقاتلات الجيل الرابع والخامس (مثل التايفون وF-15SA)، مما يجعلها منصة مثالية لتأهيل الطيارين للحروب الحديثة.
وتتجلى دقة التصنيع المحلي في أنظمة العرض متعددة المهام (MFD) داخل المقصورة، والتي تم إنتاج مكوناتها الحساسة بواسطة “شركة الإلكترونيات المتقدمة” (AEC) في الرياض، لتكون المرة الأولى التي تُستخدم فيها مكونات سعودية الصنع في طائرات هوك على مستوى العالم، حتى تلك التي تُصنع في بريطانيا.
وينظر الخبراء ومراكز الفكر العالمية، مثل “أكسفورد بيزنس جروب”، إلى هذا المشروع بوصفه حجر الزاوية في استراتيجية “توطين 50% من الإنفاق العسكري” التي تستهدفها رؤية 2030؛ فنجاح تجميع T-165 لم يوفر فقط طائرات تدريب متطورة، وإنما أسس منظومة صناعية متكاملة في قاعدة الملك عبد العزيز الجوية بالقطاع الشرقي، قادرة اليوم على إجراء عمليات العمرة والصيانة العميقة، مما يقلل الاعتماد على الخارج ويعزز الاستقلالية الاستراتيجية للمملكة في قطاع الطيران والدفاع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك