وانهار عصر الأحد مبنى قديم مؤلف من 12 شقة في حي باب التبانة في طرابلس، كبرى مدن شمال لبنان، والمعروفة بمعاناة العديد من سكانها الفقر المدقع والظروف المعيشية الصعبة.
ويقول مرداش (54 عاما) الذي أغلق محله الكائن في الطبقة الأرضية للمبنى قبيل انهياره، لوكالة فرانس برس، " مات جيراننا وأحبابنا، عِشرة عمر نحن وإياهم، خسرناهم.
وخسر الناس أرزاقهم ونحن منهم".
ويروي الرجل، وهو أب لأربع بنات كان يعمل في دكانه الصغير منذ 35 عاما، " كنا نشعر أن وضع البناء ليس جيدا، وتواصلنا مع البلدية لكن لم يأتنا جواب".
في الشارع الضيق المؤدي للمكان، يخيّم الوجوم والتعب على وجوه السكان، ومنهم مرداش الذي يؤكد أنه لا يملك مصدر دخل آخر.
ويقول" الفقير لا أحد يسأل عنه، لو كان في هذا البناء مسؤول، لتمّ إصلاحه في غضون ثوان".
من على شرفات أبنية مجاورة قديمة ومتلاصقة، راقبت نسوة وأطفال فرق الإنقاذ أثناء رفعها الأنقاض بصعوبة.
أمام متجره المجاور، يبكي نصر فاضل (60 عاما) وهو يستعيد مشهد انهيار المبنى.
ويقول" نحن نعيش هنا في فقر مدقع، مرت علينا حروب، وربينا أبناءنا، نعجز عن وصف ما رأيناه".
قبل الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي يشهدها لبنان منذ عام 2019، كان أكثر من نصف عدد سكان طرابلس يعيشون عند خط الفقر أو دونه، بحسب الأمم المتحدة.
وانهار المبنى في شارع مكتظ يفصل بين منطقتي التبانة ذات الغالبية السنية وجبل محسن ذات الغالبية العلوية، اللتين شهدتا العديد من الاشتباكات بين 2007 و2014 معظمها على خلفية النزاع في سوريا.
ولا تزال آثار الرصاص والقذائف على الأبنية تشهد على ضراوة المعارك.
وفاقمت الاشتباكات ثم الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا عام 2023، وتأثّر به لبنان، وضع الأبنية سوءا.
وأثار انهيار المبنى حالا من الغضب الممزوج بالقلق في أزقة طرابلس حيث تتلاصق عشرات الأبنية المتداعية أو المتصدعة، لا سيما أن الحادثة هي الثانية في غضون أسبوعين في المدينة.
ولم تتخذ السلطات اجراءات كفيلة بعدم تكرار المأساة، على رغم التحذيرات من كثرة الأبنية الآيلة للسقوط.
وأعلنت بلدية طرابلس الأحد المدينة" منكوبة"، ودعت السلطات لتحمل مسؤولياتها.
وأعلن رئيس الوزراء نواف سلام بعد جلسة حكومية طارئة الإثنين أن السلطات قررت" إخلاء المباني المعرضة للسقوط وعددها 114"، على ان يتم ذلك على مراحل في مهلة لا تتجاوز الشهر.
وتعهد توفير بدلات إيواء للعائلات لمدة سنة.
ويحتاج 600 مبنى إلى" تدخل مباشر للتدعيم"، وفق رئيس البلدية عبد الحميد كريمة الذي حذّر من" مأساة كبيرة" لأن التقديرات قد تفوق ذلك.
وعزا كريمة الوضع الراهن الى" غياب الدولة"، وأيضا مخالفات في مبان قديمة يقطنها مستأجرون منذ عقود مقابل بدل إيجار ضئيل.
وأخلت البلدية 12 مبنى حتى الآن، ونقلت قاطنيها إلى معهد فندقي.
وفي أواخر كانون الثاني/يناير، انهار مبنى في منطقة القبة بطرابلس، ما أسفر عن مقتل رجل وابنته بعدما كانوا في عداد أفراد رفضوا مغادرة البناء رغم خطر انهياره.
يومها، خسر يوسف أحمد (80 عاما) منزله الذي سكن فيه لأكثر من خمسة عقود، وانتقل للسكن لدى ابنته.
ويشرح لفرانس برس" لم يقدم أحد لنا المساعدة"، لافتا الى أن في المدينة" نوابا وأثرياء.
لم يسأل أحد عن حالنا".
ولم يقتصر انهيار الأبنية على طرابلس، بل سجّلت مناطق أخرى حوادث مماثلة خلال السنوات الأخيرة، في بلد حيث لا يتم في أحيان كثيرة الالتزام بمعايير السلامة الإنشائية للأبنية، والمشيّد قسم منها عشوائيا منذ عقود على أراض مشاع.
وتعزو المعمارية عبير سقسوق، الخبيرة في التنظيم المدني في منظمة" استديو أشغال عامة"، حال بعض الأبنية الى ترك" السلطات المباني تتدهور بدون أي ترميم أو معالجة.
وفي ظل خلل تشريعي" يتمثل بمرسوم للسلامة العامة صدر مطلع القرن الحالي، ولا يلحظ آلية لكيفية ترميم المباني التي تم تشييدها قبل صدوره.
وتوضح أن أبنية كثيرة شيّدت" بدون رقابة"، مشيرة الى" خلل بنيوي يتعلق بنظام الحكم وكيف أهمل هذا الموضوع عبر فراغ تشريعي وعبر سياسات سكنية غير عادلة".
وفي غياب خطط رسمية لتأهيل دوري للأبنية القديمة، وفي غياب بدائل، يختار سكان العيش في خطر عوضا عن التشرد.
من هؤلاء محمّد السيد (56 عاما) الذي رفض مغادرة منزله في منطقة القبة، رغم تساقط حجارة من شرفة الطابق الثاني.
ويقول لفرانس برس بانفعال إنه حذّر البلدية مرارا من تصدّع المبنى، بعدما بنيت أربعة طوابق إضافية فوق الطابقين الأساسيين.
ويضيف" لا مأوى لدي ولا سكن بديلا".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك