نتفق على أن الوعي الصحيح يتطلب توافر مدخلاته، المتمثلة في البنية المعرفية المتسقة مع نتاج العلم، وما يرتبط بها من ممارسات أدائية، وما ينتج عنهما من تشكيل وجدان في سياجه الإيجابي؛ لذا عندما يصمم الأستاذ أنشطة تعليمية في صورة مهام مصاغة في ماهية حرفية، ينبغي أن تراعي مناط الخبرة المراد إكسابها للمتعلمين، من حيث خصائصهم ومقدرتهم على التنفيذ وفق الجدول الزمني المعلن، وهنا بيت القصيد؛ حيث يتشكل الوعي في إطاره القويم نحو القضية، أو الموضوع، أو الفكرة، أو المحتوى محل الاهتمام.
ندرك أن نجاح المتعلم في تحقيق أهداف النشاط التعليمي المخطط له سلفًا، سواءً أكان في صورة فردية أم جماعية، يعني بالضرورة حدوث تغييرات نستهدفها في سلوكياته، بمعنى أكثر وضوحًا، تزداد لديه معرفة في ثيابها الجديدة؛ ومن ثم يتبدد الجهل نحو قضية التعلم، بل يستطيع حينئذ أن يحسن من معدلات الأداء؛ لتصبح في حيز الإتقان الذي يعد جسرًا للابتكار، وهذا ما يدفعه لبذل مزيد من طلب وشغف العلم؛ وبناءً عليه يؤدي الفهم العميق إلى حيازة نمط الوعي السليم تجاه موضوع التعلم، أو الخبرة المتضمنة به.
تنمية الوعي من خلال الأنشطة التعليمية في سياقها المقصود، تحدث تنمية واقعية للوعي، في خضم المجال الذي ينتمي إليه، وهذا تؤكده أنماط التغذية الراجعة المقدمة من قبل الأستاذ، حينما يخفق المتعلم في القيام بالمهمة التعليمية المحددة له، أو عندما يواجه صعوبة في مرحلة ما؛ حيث يحتاج إلى تصويب المسار، أو تعميق الفهم، أو مزيد من المعلومات المرتبطة بموضوع التعلم، أو نصح وإرشاد يستعيد الفرد من خلالهما التوازن، ويصحح الممارسة، عبر بوابة تكرار الأداء، أو آلية المحاولة والخطأ.
التعزيز بصوره المختلفة نقطة مضيئة داعمة لمسار تنمية الوعي الرشيد لدى المتعلم تجاه قضية التعلم محل الاهتمام؛ إذ يستشعر الفرد التقدير، ويدرك أن أستاذه يهتم به وبتقدمه العلمي، ومن ثم يتشكل لديه الاتجاه الإيجابي نحو المادة المتعلمة وخبراتها ونحو أستاذه أيضًا، كما تتكون لديه الرغبة في حب الاستطلاع؛ كي يعمق المفاهيم العلمية ويربطها بالواقع المعاش، ويطرح من الأفكار البناءة ما يساعد في حل المشكلات سواءً أكانت داخل المؤسسة التعليمية أم خارج أسوارها، وهذا بالطبع يؤصل لديه فلسفة وظيفية العلم.
ما أروع من مقدرة تتأتى من أستاذ ملهم، يستطيع أن يوظف أدوات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في سياج أنشطة تعليمية؛ كي يربط ما بين الاستثمار في التقنية، وتلبية احتياجات ملحة، باتت في مكون جديد يتمثل في عشق الرقمنة، وهنا تتحول العملية التدريسية برمتها من مساق تقليدي لإطار رقمي مفتوح، يقوم على فلسفة التواصل وفرضياته؛ ومن ثم نتوقع نواتج تعليمية متفردة، قد نصل بها لمراحل ننشدها جميعًا، تتمثل في ولوج فلذات الأكباد إلى بوابات الابتكار والريادة.
أعتقد أن الموازنة في تقديم خبرات التعلم خلال أوعية رقمية، وعبر تدريس واقعي، تحدث أثرًا إيجابيًا يزيد من عمليات الإدراك لدى الأبناء، ويعمل على تنمية جوانب أو مجالات التعلم الثلاثية، وبالطبع يتخلص المتعلم من شظايا أنماط الفهم الخطأ، التي قد يتعرض لها من مصادر عديدة، وهذا يؤكد ضرورة التقييمات المستمرة الكاشفة عن أي قصور معرفي، أو تشوه أدائي، أو نكوص وجداني لدى الفرد، ويعزز التوصية بأهمية التصويب الفوري؛ كي لا تتوطن الفكرة المشوبة في الأذهان.
نجزم بأن الأنشطة التعليمية تسهم في تعزيز الوعي القيمي لدى الأبناء، باعتباره السياج الحامي من شتى المتغيرات، المؤثرة سلبًا على الهوية والقومية، والمضيرة بماهية الولاء والانتماء؛ ومن ثم يحض الخلق القويم الناتج عن هذا النمط على الشراكة، والتعاون، وتحمل المسؤولية، والإتقان في الممارسة، واحترام الغير، كما أن البيئة الداعمة للفهم، والتحليل، والتفكير النقدي، من خلال جسر الحوار البناء، تزيد من مقدرة المتعلم على تقبل الربط الوظيفي بين النظرية والتطبيق، وهذا يشكل عين الوعي الذاتي؛ إذ يسهم في اكتشاف الفرد لميوله، واتجاهاته، ويعمل على تجديد خبراته، تماشيًا مع التغيرات المتسارعة في شتى المجالات، في خضم عصر التقنية.
ودي ومحبتي لوطني وللجميع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك