في المسافة الفاصلة بين ديوان البلاط الحاكم حيث تُصاغ القصائد بماء الذهب، وأزقة العامة حيث يُعجن الخبز بالعرق، ثمّة حكايات سقطت عمداً من ذاكرة التاريخ الرسمي.
هذه المساحة التي سماها إدوارد سعيد المناطق المظلمة، وقالت عنها غاياتري سبيفاك إنها صمت التابع، هي ذاتها التي يقرر الباحث وأستاذ الأدب عامر سلمان أبو محارب النبش فيها، مستخرجاً" خزائن المنسيين: آداب التابع في التراث الأدبي" (دار كنوز المعرفة، 2025)؛ ليعيد إلينا أصواتاً اعتبرتها المرويات الرسمية ضجيجاً هامشياً لا يستحق الأرشفة.
فكك إدوارد سعيد منظومة الاستشراق، حين كشف لنا مفهومه لـ" التمثيل" وهو فعل سياسي يتبنّى عملية تحويل الشرقي إلى مادة أدبية أو علمية يجري التلاعب بها داخل النص لتبرير الهيمنة الاستعمارية.
هكذا وجد في هذا التمثيل أداة قتل معنوي؛ فالمستشرق لم يكتب عن الشرقي إلا ليمنحه صورة الصامت العاجز، واللا عقلاني؛ لكي يسهل أحكامه وتصنيفاته المسبقة.
وفي الكتاب الذي حاز المركز الثاني في جائزة الكتاب العربي في الدوحة، ضمن فئة الكتاب المفرد بمجال الدراسات اللغوية والأدبية، نجد هذه اللعبة تُمارس داخلياً في بنية المجتمع العربي القديم؛ فالسلطة المركزية (وهي هنا العباسية، وما تلاها) لم تكتفِ بالسيطرة السياسية، وإبراز جماعة ثقافية رسمية موالية، إنما أنتجت أرشيفاً أدبياً موازياً متمثلاً في التابع (الأسود والمرأة، والفقير، والمجنون، واللصوص)، لكنها لم تتبنَ هذا النتاج، إذ اعتبرته كائناً سالباً، ومضحكاً، أو شاذاً عن القاعدة.
وهنا تلتقي دراسة أبو محارب أيضاً مع صرخة غاياتري سبيفاك في دراستها الشهيرة والمحورية المعنونة بـ" هل يستطيع التابع أن يتكلم؟ ".
وقد أكدت سبيفاك أن التابع محاصر في نظام صممه المهيمن، لكن أبو محارب يجيب بأن التابع العربي لم يستسلم لهذا الصمت؛ لقد تكلم فعلاً، لكنه لم يتحدث بلغة المركز المتأنقة، بل اختار لنفسه تعريفاً جديداً للبلاغة ومعجماً خاصاً اندرج تحت ما يطلق عليه بلاغة المقموعين، التي لا تعترف بقداسة النحو الرسمي، بقدر ما تعترف بوجع الجوع ومرارة التهميش.
إنها محاولة لانتزاع السيادة المعرفية من يد النخبة.
كيف حوّلت الجواري والقيان أجسادهن إلى" مساحة للاحتجاج".
لا يبحث أبو محارب في معلقات الفخر التي تُتلى في القصور، بل ينحاز لـ" التأريخ من أسفل"، فنجد في فصول الكتاب دراسة معمقة لـ" عقلاء المجانين" و" المتحامقين".
هؤلاء لم يكن حمقهم سوى قناعٍ سياسي ذكي؛ ففي مجتمع تضيق فيه هوامش الحرية، يصير الهذيان مشرطاً يشرح تناقضات السلطة تحت غطاء يبعده عن المساءلة.
وهنا يصبح المهمش خالقاً لنوع من" الانتخاب الثقافي" الذي يجعل من المجنون بطلاً سردياً يمتلك وعياً مغايراً.
هذا التاريخ غير الرسمي لا يمر عبر بوابات المؤرخين الذين يكتبون سِيَر الملوك، بل عبر النوادر والأخبار التي كانت بمثابة التسريبات السياسية في ذلك العصر.
يكشف أبو محارب في محور هو الأشد إثارة؛ كيف حولت الجواري والقيان والنساء الهامشيات أجسادهن إلى" مساحة للاحتجاج" فيرصد عبر أصوات الجواري الغاضبات والإماء الثائرات، أدباً يرفض مفهوم الأب / السيد.
فتتحول النسوة من صانعات للذة إلى صانعات للغة.
ويرصد هنا اللغة الهجينة التي تخلط بين الرغبة والتمرد، وتستخدم السخرية لتقويض الرهبة التي يفرضها المجتمع الأبوي.
إنه جسد يتكلم بالنيابة عن هوية مسحوقة، يحول الاستعراض الجسدي إلى فعل استهزاء بجدية السلطة ووقارها الزائف.
ينتقل بنا أبو محارب إلى عالم المحتالين والشطار والصعاليك الجدد، وهنا يبرز مفهوم الحيلة بمعنى جديد، حيث المكيدة اللغوية وآلية تقويض النموذج.
في التاريخ الرسمي، يُقدَّم البطل بوصفه ملكاً عادلاً أو قائداً منتصراً أو فارساً ذا نسب رفيع، ترعاه السلطة ويخلده المؤرخون.
غير أن المخيلة الشعبية صنعت بطلاً نقيضاً، يبدأ من الهامش ولا يستند إلى نسب أو شرعية.
يراوغ علي الزيبق، أو عنترة بن شداد الذي تجري استعارته من زمن ماضٍ، السلطة فلا يواجهها بالقوة مستغلاً جمود ممثليها.
أما نجاحه في الإفلات من القمع فيحقق للناس انتقاماً رمزياً، لأنه يحمي قيم الشارع وحق الضعيف في البقاء.
هكذا يُؤَرشف التابع نفسه في" الحكاية" و" المقامة" و" السيرة الشعبية".
إنها ذاكرة مضادة تتحدى النسيان، وتصنع بطلاً يشبه" الناس العاديين" في عثراتهم وانتصاراتهم الصغيرة.
في رحلة التنقيب هذه، يبرز أدب الكفاف بوصفه واحداً من أكثر تجليات التابع إدهاشاً، حيث يتوقف أبو محارب عند نصوص لا تنشغل بالأسئلة الوجودية الكبرى، بل تنغمس في متطلبات الاحتياج.
هنا، نلتقي بشعراء مثل أبو الحسين الجزار الذي يرى العالم في تفاصيل مطبخه الفارغ، محولاً الفقر من حالة عوز مثيرة للشفقة إلى مادة للسخرية السوداء.
إن المنسيين في هذا الكتاب يسرقون لسان التاريخ، ويسرقون موضوعاته أيضاً؛ إذ يقتحمون المتن الأدبي بأشيائهم الصغيرة؛ مثل أدوات الحرفة، وثيابهم الرثة، وأحلامهم في وجبة مشبعة، ونفورهم من قسوة المجتمع الطبقي.
وهنا يحلل أبو محارب كيف تخلت هذه النصوص عن بلاغة الترف التي ميزت أدب القصور، لصالح بلاغة التفاصيل التي تمنح الأشياء التافهة في نظر النخبة قيمة مركزية في نظر المهمش.
هذا الانحياز لليومي والمعيش يمثل ذروة التمرد ضد الأرشيف الرسمي؛ فالتابع هنا يرفض أن يكون مجرد إحصائية في سجلات الضرائب، أو رعية في كشوف الجبايات، ليثبت حضوره كذات مبدعة تملك وعياً ثاقباً حاداً بتفاصيل بؤسها وأزماتها الاجتماعية.
إنها محاولة لتدوين التاريخ لا عبر المعارك والفتوحات، إنما عبر الرغيف والدرهم والزقاق، حيث تصبح لغة الشارع هي المعجم الوحيد القادر على توصيل صرخة الوجود في عوالم طواها النسيان طويلاً، لتعود اليوم وتفرض سطوتها الجمالية والسردية علينا من جديد.
الانحياز لليومي والمعيشي يمثل ذروة التمرّد ضد الأرشيف الرسمي.
يعيد الكتاب الاعتبار للروح الكرنفالية التي تحدث عنها ميخائيل باختين.
في آداب التابع، نجد لغة شعبية تقتحم حصون الفصحى.
التكرار في شعر السود، والثنائيات الضدية في أخبار الفقراء، والمفارقة في نوادر البخلاء؛ كلها حلية بلاغية وسلاحاً مقاوماً للتراتبية اللغوية المحفوظة.
وحين يكتب أبو الحسين الجزار عن تفاصيل الكفاف والجوع اليومي، فإنه يهدم صنم البلاغة التي تتحدث عن القصور والخيول.
إنه يجعل من المرذول جمالاً، ومن الهامشي مركزاً.
هذا الكسر للقواعد هو الجوهر الحقيقي لآداب التابع؛ إنه أدب هجين يرفض التصنيف، ويُربك رواية الأدب الرسمي التقليدي الذي لا يملك أدوات لفهمه إلا بوصفه شذوذاً أو انحرافاً عن شرعيته.
لا يستعيد الكتاب زمناً غابراً أو ينعش ذاكرة في إشارة إلى توالد تاريخي لعصر التابع الجديد في حلّة متطورة.
ففي ظل خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي التي تحاول تدجيننا، وفي ظل المعطيات السياسية الكبرى التي تحاول محو هوياتنا الصغيرة، يكسر عمل عامر سلمان أبو محارب احتكار الحقيقة في مقررات تاريخ المناهج الدراسية الرسمية في المنطقة العربية، إذ هو" نصف الحقيقة" فقط، والنصف الآخر ينام في" خزائن المنسيين" الذين لم يجدوا من يكتب عنهم سوى أنفسهم.
فهل سنواجه الاستشراق الداخلي لنتوقف عن رؤية الهامش بعيون المركز؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك