لا تقتصر صلات جيفري إبستين بعالم الفنون على صفقاتٍ ووساطات مالية لشراء لوحات لصالح أصدقائه من رجال الأعمال، إنما تكشف وثائق وزارة العدل الأميركية عن استمرار علاقاته مع متاحف وصالات فنية بعد اعترافاته بالاعتداء على قاصرات عام 2008، وسعيه لتنظيم معارض لا تخرج ثيماتها عن انحرافاته الجنسية، لكن المفارقة الأكبر التي تضيئها الوثائق تتعلّق باحتقار إبستين للفن معتقداً أن أهم الأعمال لا تساوي قيمتها السوقية.
كما تثير تفاصيل القضية مزيداً من الجدل حول تقرّب الأوساط الفنية من الأثرياء دون اهتمام بمصادر دخلهم وطبيعة التهم الموجهة لكثير منهم، بل يجري تبييض صورة هؤلاء الأثرياء أمام المجتمع من خلال تعيينهم في مجالس وهيئات متاحف ومؤسسات فنية مقابل الحصول على قروضهم ومنحهم، بما يؤكد شراكة كلا الطرفين في هذا الفساد الذي يدفع للتساؤل عن دور الفن في ظلّ تلاعب الفاعلين في إنتاجه وتوجيهه من أجل أغراض شخصية.
ساعد إبستين الملياردير ليون بلاك، الرئيس السابق لمتحف الفن الحديث (MoMA) في نيويورك، في تحويل مجموعته الفنية إلى أصول مالية متطورة والتي بلغت قيمتها نحو 2.
8 مليار بما يفوق نصف ثروته خلال أقل من خمسة أعوام، من خلال استغلال إبستين ثغرات في قانون الضريبة قبل تعديله في الولايات المتحدة سنة 2017، تتيح الحصول على إعفاء في حال بيع وشراء أصول من نوع واحد في الوقت نفسه، إذ باعت شركة تابعة لبلاك منحوتة لجياكوميتي من أجل شراء لوحة مائية لبول سيزان مقابل 30 مليون دولار عام 2016.
بالإضافة إلى ذلك، استطاع إبستين تحويل لوحات ليون بلاك غير القابلة للتداول إلى ضمانات مصرفية يمكن رهنها للحصول على قروض ضخمة وصلت إلى أكثر من نصف مليار دولار.
بلاك الذي استقال من رئاسة متحف الفن الحديث عام 2021 بعد كشف تورطه في قضية إبستين لكن بقي عضواً في مجلس أمنائه، استعان بإبستين لشراء وبيع أكثر من ألف لوحة، بحسب مجلة آرت نيوز التي أشارت إلى أن مكتب عائلة بلاك واظب على إرسال العديد من الأسئلة الروتينية لإبستين حول نوع العملة المستخدمة والوسطاء المؤهلين، وكانت إجابته تأتي عادةً مقتضبة، مكتوبة بأحرف صغيرة، مع أخطاء إملائية وعلامات ترقيم قليلة.
غير أن الرسائل تبيّن أيضاً عدم إلمامه بتفاصيل كثيرة تتعلّق بالفروقات بين قيم التقييم لدى البنوك وشركات التأمين، وهو ما جعله يبدي الشكوى حين لا يصله أجره كاملاً والمقدر بأربعين مليون دولار سنوياً لقاء استشاراته التي لا تعجب أحياناً محامي وموظفي بلاك.
مقتنياته الفنية كانت مجرّد ديكور لتأثيث قصوره وحدائقها.
عقب إطلاق سراحه من سجن بالم بيتش عام 2009، يرسل إبستين رسالة إلكترونية بعد شهرين فقط يبدي فيها رغبته بتمويل معرض يضمً صوراً لفتيات وفتيان تتراوح أعمارهم بين 14 و25 لكنها لا تتطابق مع أعمارهم الحقيقية.
وهنا تظهر لعبة أساسية أصرّ عليها رجل الأعمال الأميركي، إذ بات معروفاً أنه أقام علاقات مع فتيات، ووظّف أخريات، وسعى لاستدراج غيرهنّ، كان قسم منهنّ في بدايات العشرينيات لكنّه أراد أن يبدو أنّهنّ في عمر أقل من ثمانية عشرة عاماً.
بمعنى آخر، يحوّل إبستين انحرافاته إلى مجرد ذوق" مشروع"، لكنه يتعرّض إلى الظلم دائماً بسبب عدم تفهم حيلته" البريئة" التي يوضحها في الرسالة ذاتها بالإشارة إلى استخدام المكياج أو برنامج الفوتوشوب لتغيير ملامح الصغار في صورة المعرض، مؤكداً أن ذلك سيكون" مثيراً للجدل" و" ممتعاً" أيضاً.
كانت هذه الرسالة واحدة من بين أكثر من خمسين رسالة تبادلها إبستين مع ديفيد روس، المدير السابق لمتحف ويتني في نيويورك ومعهد الفن المعاصر في بوسطن، الذي استقال من منصبه بعد تسريب الرسائل الإلكترونية، وأضاف إبستين" يدخل بعض الناس السجن لأنهم لا يستطيعون تحديد أعمارهم الحقيقية"، معيداً ما قاله محاموه في معرض الدفاع عنه.
تكشف الوثائق عن علاقة وثيقة جمعت إبستين بستيوارت بيفار، جامع الأعمال الفنية منذ أوائل السبعينيّات، حين استمع الأخير لشخصٍ يعزف مقطوعة سوناتا فالدشتاين لبيتهوفن ببراعة في منزل أحد أصدقائه، وكان ذلك العازف جيفري إبستين.
توطّدت العلاقة بين الاثنين، وتركّزت مهمة بيفار على تأثيث المنازل التي يشتريها إبستين باللوحات وكانت مجرّد ديكور، إذ يصفها بيفار" لم يكن لدى جيفري أي ذوق فني في اللوحات، ولم يؤمن بأن اللوحات يمكن أن تحمل أي قيمة طالما يمكن صنع نسخة طبق الأصل منها مجاناً".
ضمّت مجموعة إبستين نسخة مزوّرة من لوحة للفنان الأميركي فرانز كلاين، وعملاً للفنانة الأسترالية بترينا رايان-كلايد بعنوان" تحليل بيل"، تُصوّر الرئيس الأميركي الأسبق كلينتون مبتسماً مرتدياً فستاناً وحذاءً بكعب عالٍ، ولوحة كبيرة للفنان المكسيكي خورخي ألفاريز بعنوان" حفل بلوغ سن الرشد" تصور صبياً صغيراً بعضو ذكري منتصب، ونسخة مزورة أيضاً من تمثال رامي سهام للفنان البلجيكي آرثر دوبان.
الجسد في هيئة مثيرة أو موضع سخرية يشكّل محور اهتمام إبستين، غير مكترث بأيّ أبعادٍ فنية وتقنية في الأعمال المقتناة، وتذكر الرسائل هوسه بالأقدام تحديداً.
أبدى رغبته بتمويل معرض يضم صوراً لفتيات وفتيان صغار السن.
عودة إلى بيفار، يروي في رسائله أن إبستين طلب منه أن يتوسطّ لدى صديقه الفنان الأميركي آندي وارهول ليرسمه، لكن الأخير رفض الطلب، معللاً ذلك بقوله" إنه مُتصنّع.
أنا ببساطة لا أُطيقه".
في وثائق القضية، وردت تفاصيل صادمة أخرى حول ماريا فارمر، الفنانة والطالبة السابقة في أكاديمية نيويورك للفنون، التي عملت لدى إبستين، وتعرّضت للاعتداء عليها منه بالتعاون مع شريكته غيسلين ماكسويل.
إذ هُدِّدت ماريا عندما سعت للإبلاغ عنهما وفضحهما في منتصف التسعينيّات، لكن شكواها قوبلت بالتجاهل آنذاك.
وبعد صمت استمرّ لأكثر من عقدين، رفعت شكوى أخرى بعد انتحار إبستين بأشهر عدّة، وذكرت أنها تلقت أيضاً تهديدات من ماكسويل التي قالت لها: " سنحرق جميع أعمالك الفنية.
وأريدكِ أن تعلمي أن أي شيء تصنعينه سيُحرق.
مسيرتكِ المهنية ستنتهي".
بانتظار الكشف عن مزيد من الضحايا، إذ يُقدّر عددهنّ بنحو مئتي فتاة جرى دفع تعويضات لبعضهنّ في إطار تسويات قانونية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك