تمر اليوم الذكرى الـ768 لسقوط بغداد في أيدي المغول، وانتهاء الخلافة العباسية، على يد القائد المغولي هولاكو خان، في العاشر من فبراير عام 1258م، بعد حصار استمر نحو 12 يومًا، انتهى بتدمير المدينة وإبادة عدد هائل من سكانها، في واحدة من أكثر الكوارث دموية في تاريخ العالم الإسلامي.
وجاء اجتياح بغداد بعد سقوط الدولة الخوارزمية في فارس، التي كانت تمثل خط الدفاع الإسلامي الأول في مواجهة التوسع المغولي، ومع انهيارها زال الحاجز الذي كان يمنع المغول من التقدم غربًا والسيطرة على قلب الخلافة الإسلامية في العراق.
وبمجرد إحكام سيطرتهم على فارس، أرسل هولاكو خان رسالة إلى الخليفة العباسي أبي أحمد عبد الله المستعصم بالله، يطالبه فيها بهدم حصون بغداد وردم الخنادق المحيطة بها، مبررًا ذلك بعدم إرسال الخليفة قوات لمساعدته في حصار قلعة آلموت، رغم إظهار الخليفة الطاعة والخضوع الاسمي لسلطة المغول.
وحاول الخليفة المستعصم استرضاء هولاكو، فأرسل إليه رسالة مرفقة بالهدايا، غير أن رد هولاكو جاء محملًا بالتهديد والوعيد، متوعدًا باجتياح الممالك العباسية وإفنائها عن بكرة أبيها، وهو ما تحقق لاحقًا مع دخول المغول بغداد.
ومثّل سقوط بغداد خسارة فادحة للحضارة الإسلامية، إذ تعرّضت المدينة لدمار شامل طال الإنسان والعمران معًا.
فقد أضرم المغول النار في بيت الحكمة، إحدى أعظم مكتبات العالم القديم، وألقوا آلاف الكتب والمخطوطات النادرة في نهري دجلة والفرات، حتى قيل إن مياه النهر اسودّت من حبر الكتب.
كما قتل المغول عددًا كبيرًا من العلماء والمفكرين وأهل الثقافة، بينما نُقل آخرون قسرًا إلى إلخانية فارس، ودُمرت معالم عمرانية كبرى شملت المساجد، والقصور، والحدائق، والمدارس، والمستشفيات، وتحولت المدينة إلى أنقاض شاهدة على الخراب.
وتناثرت جثث القتلى في شوارع بغداد حتى صارت على هيئة تلال، ومع تساقط الأمطار تعفنت الجثث وانتشر وباء شديد، لم يقتصر أثره على بغداد وحدها، بل امتد إلى مدن الشام مثل حلب ودمشق، نتيجة فساد الهواء وتغير الجو، ما أدى إلى وفاة أعداد كبيرة من السكان، واضطر هولاكو نفسه إلى نقل معسكره خارج المدينة بسبب شدة الرائحة.
ورغم اختلاف تقديرات المؤرخين حول عدد القتلى، إلا أن الجميع يتفق على أن الأعداد كانت هائلة وغير مسبوقة، ما جعل اجتياح بغداد يُعد كارثة كبرى للمسلمين، بل «كارثة الكوارث» في زمانها.
وكان المغول قبل دخولهم بغداد قد أسقطوا الدولة الخوارزمية، كما قضوا على جماعات شكّلت مصدر إزعاج طويل للمسلمين، مثل الحشاشين، بعد تدمير معقلهم في آلموت بإقليم جيلان شمال فارس، وهو ما مهّد الطريق أمام المغول لاجتياح العراق دون مقاومة حقيقية.
وبسبب حجم الدمار والقتل والانهيار الحضاري، اعتبر كثير من المؤرخين المسلمين والغربيين أن سقوط بغداد عام 1258م شكّل نهاية العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، وبداية مرحلة تاريخية جديدة اتسمت بالتراجع والانقسام في العالم الإسلامي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك