تعجز هنادي أبو زنت، وهي أم لأربعة أطفال من الضفة الغربية، عن دفع إيجار شقتها منذ نحو عام، بعد خسارة تصريح عملها داخل إسرائيل.
وعندما حاول صاحب العقار إخلاء المنزل واستدعى الشرطة، لجأت إلى مسجد قريب هربًا من الطرد.
تقول هنادي وهي تمسح دموعها: «أخشى أن نُرمى في الشارع.
أين سننام؟ ».
هنادي ليست حالة فردية؛ فهي ضمن نحو 100 ألف فلسطيني سحبت إسرائيل تصاريح عملهم عقب هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ما عمّق الأزمة الاقتصادية في الضفة الغربية، حيث شحّ الوظائف وتدنّت الأجور إلى مستويات قياسية.
ومع انعدام البدائل، اضطر كثيرون إلى بيع ممتلكاتهم أو الاستدانة لتأمين الغذاء والكهرباء والتعليم، بينما لجأ آخرون إلى شراء تصاريح من السوق السوداء أو محاولة التسلّل إلى إسرائيل، رغم المخاطر الكبيرة، وفقا لتقرير لوكالة أسوشيتيد برس.
وتقول إسرائيل إنها غير ملزمة بالسماح للفلسطينيين بالعمل داخل أراضيها، مشيرة إلى اعتبارات أمنية، بينما يبقى العمل متاحًا لآلاف الفلسطينيين داخل المستوطنات المقامة على أراضٍ يطالب بها الفلسطينيون لدولتهم المستقبلية.
حذّر البنك الدولي من أن اقتصاد الضفة الغربية يواجه خطر الانهيار بسبب القيود الإسرائيلية.
وبنهاية العام الماضي، بلغت البطالة قرابة 30% مقارنة بـ 12% قبل الحرب، حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
وقبل الحرب، كان عشرات الآلاف من الفلسطينيين يعملون في إسرائيل برواتب تصل إلى ضعف ما يتقاضونه داخل الضفة.
وقد ضخّت هذه العمالة نحو 4 مليارات دولار في الاقتصاد الفلسطيني عام 2022، أي ما يعادل ثلثي ميزانية السلطة الفلسطينية.
ومع ذلك، لم تُعد إسرائيل سوى أقل من 10 آلاف تصريح عمل منذ سحبها جميع التصاريح بعد الحرب، وفق منظمة «جيشا» الإسرائيلية الحقوقية.
قال مسؤول إسرائيلي - تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته- إن «الفلسطينيين لا يملكون حقاً أصيلاً في دخول إسرائيل، وإن التصاريح تخضع لاعتبارات أمنية».
واحتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية في حرب 1967، ويعيش نحو 3 ملايين فلسطيني في الضفة الغربية، إلى جانب أكثر من 500 ألف مستوطن إسرائيلي يتمتعون بحرية التنقل.
وأدت الحرب في غزة إلى تصاعد الهجمات على الفلسطينية، فضلاً عن عنف المستوطنين.
بعد أن تركها زوجها قبل خمسة أعوام، اعتمدت أبو زنت على عملها في مصنع داخل إسرائيل بأجر شهري يقارب 1400 دولار، وهو ما يكفي لإعالة أطفالها الأربعة.
وبعد الحرب، بدأت بخَبز المعجّنات لتأمين لقمة العيش، لكنها اليوم بالكاد تستطيع توفير الطعام.
ويقول حسن جمعة، الذي كان يعمل وسيطًا للحصول على تصاريح عمل، إن أسعار التصاريح عبر السماسرة ارتفعت إلى ثلاثة أضعاف بعد الحرب.
كما يُعتقد أن عشرات الآلاف يعملون داخل إسرائيل دون تصاريح، رغم المخاطر، وفق تقديرات باحثين إسرائيليين.
ورغم عدم وجود أرقام دقيقة، يُعتقد أن عشرات الآلاف من الفلسطينيين يعملون بشكل غير قانوني في إسرائيل، وفقًا لإستيبان كلور، أستاذ الاقتصاد في الجامعة العبرية الإسرائيلية وباحث بارز في معهد الدراسات الأمنية الوطنية.
ويخاطر بعضهم بحياتهم في محاولة عبور جدار الفصل الإسرائيلي، الذي يتكون من جدران خرسانية بارتفاع 9 أمتار (30 قدمًا)، وأسوار، وطرق عسكرية مغلقة.
وروت شهرات برغوثي أن زوجها قضى خمسة أشهر في السجن لمحاولته تسلّق جدار الفصل.
قبل الحرب، كانت الأسرة تجني نحو 5700 دولار شهريًا، لكنها اليوم غارقة في ديون تبلغ 14 ألف دولار، وتعيش بلا تدفئة، وبثلاجة غالبًا فارغة.
تقول: «أطفالي ينامون جائعين.
أحيانًا أعود لأجد أغراضنا مُلقاة في الشارع لأن صاحب البيت يريد طردنا».
وأشارت منظمة «جيشا» إلى أن 65% من الفلسطينيين الذين كانوا يعملون في المستوطنات — نحو 48 ألفًا — احتفظوا بتصاريحهم.
ويقول عمّال فلسطينيون إن الإجراءات الأمنية في المستوطنات أصبحت أكثر صرامة، وأن تصاريحهم تُسحب أحيانًا بشكل تعسفي.
لم يرد المسؤولون الإسرائيليون على أسئلة حول سبب السماح لعدد أكبر من الفلسطينيين بالعمل في المستوطنات.
وأكد فلسطينيون يعملون في المستوطنات، شريطة عدم الكشف عن هويتهم خوفاً من الانتقام، إن أصحاب العمل عززوا الحراسة وإجراءات التأمين منذ بداية الحرب وأصبحوا أكثر استعداداً لفصل أي شخص يخرج عن المألوف، لعلمهم بوجود الكثيرين ممن هم في أمس الحاجة إلى العمل.
ومع غياب العمال الفلسطينيين، استعان بعض أرباب العمل بعمّال أجانب، إلا أن العديد منهم يرون أن التكلفة أعلى، والكفاءة أقل بسبب حواجز اللغة.
وقالل مطوّر العقارات الإسرائيلي، رافائيل دادوش، إن النقص في العمالة الفلسطينية تسبب في تأخيرات مكلفة، مضيفًا: «نحتاج إلى صيغة تسمح بعودتهم، بطريقة تضمن الأمن».
وأضاف أنه قبل الحرب، كان الفلسطينيون يشكلون أكثر من نصف قوته العاملة.
حاول استبدالهم بعمال صينيين.
وأكد عساف أديف، المدير التنفيذي لمجموعة تدافع عن حقوق العمال الفلسطينيين، أن غياب فرص العمل يقود إلى حالة خطيرة من اليأس، موضحا: «البديل عن العمل في إسرائيل هو الجوع واليأس».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك