سُجّل أمس الاثنين تطوران لافتان في الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان لا سيما منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024؛ تمثَّل الأول، بتوغل إسرائيلي برّي باتجاه بلدة الهبارية، البعيدة نسبياً من الحدود الجنوبية مع فلسطين المحتلة، واختطاف مسؤول الجماعة الإسلامية في منطقة حاصبيا ومرجعيون، عطوي عطوي، وذلك بعد وصول القوة الإسرائيلية إلى المنزل عبر كروم الزيتون سيراً على الأقدام.
أما الثاني، فهو إطلاق جيش الاحتلال النار على مواطن في بلدة عيتا الشعب قضاء بنت جبيل، ما أدى إلى استشهاده، وذلك في انتقالٍ من معادلة الضربة الجوية إلى عملية القنص المباشرة، ما يطرح علامات استفهام حول مسار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان ومستقبلها، والتي لا يزال يقابلها حراك رسمي دبلوماسي لبناني خارجي من أجل الضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها، والانسحاب من النقاط الجنوبية الخمس التي تحتلها، وإطلاق سراح الأسرى اللبنانيين.
جاء ذلك بعد ساعات قليلة من جولة رئيس الوزراء نواف سلام في جنوب لبنان والتي استمرّت يومين، وأعلن فيها عن عددٍ من المشاريع المتعلّقة بإعادة الإعمار، وأيضاً بعد زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى الولايات المتحدة، والتي عكست أجواء إيجابية، بشأن تأكيد دعم المؤسسة العسكرية، مع التشديد على ضرورة الإسراع في تنفيذ خطة حصرية السلاح.
في الإطار، قالت مصادر حكومية لبنانية لـ" العربي الجديد"، إنّ الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان" تهدّد استقراره وتُبقي الوضع الأمني هشّاً"، مشددة على ضرورة وقفها بشكل كامل وبمختلف أشكالها.
وأوضحت المصادر أنّ الأجهزة الأمنية والرسمية تتابع حادثة الخطف الأخيرة، مشيرة إلى أنّ سلام كلّف وزير الخارجية يوسف رجي بالتحرّك الفوري مع الأمم المتحدة لمتابعة القضية، واصفة ما جرى بأنه" اعتداء خطير وانتهاك فاضح للسيادة اللبنانية".
وتشير المصادر إلى أنّ" كثيراً من الطروحات المتداولة تندرج في إطار قراءات وتحليلات، من بينها ما يُربط بمساعٍ إسرائيلية لإقامة منطقة اقتصادية في الجنوب"، إلا أنّ موقف لبنان، بحسب المصادر، " واضح وثابت، ويتمثل في المطالبة بانسحاب إسرائيل من جميع النقاط التي تحتلها، وإطلاق سراح كافة الأسرى، ووقف الاعتداءات".
وتضيف المصادر أنّ" الجيش اللبناني موجود في الجنوب، وكثّف انتشاره فيه، باستثناء النقاط التي يحتلها الإسرائيلي، وهو يسيّر دوريات بشكل مستمر وعلى تنسيق متواصل مع قوات الأمم المتحدة المؤقتة (يونيفيل)، وحريص على سلامة وأمن المواطنين".
كما تؤكد المصادر أنّ" الجيش اللبناني مستمر في تطبيق خطته، التي انتقل فيها إلى المرحلة الثانية، التي تشمل شمال نهر الليطاني، وزيارة قائد الجيش إلى واشنطن بشكل خاص كانت جيدة، رغم كل محاولات التشويش عليها، وقد سمع قائد الجيش كلاماً مشجعاً بشأن الاستمرار في دعم المؤسسة العسكرية كما التوقف بإيجابية عند الجهود المبذولة على مستوى حصر السلاح".
وكان لافتاً أمس الاثنين توجيه قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، تهنئة للجيش اللبناني على اكتشافه أخيراً نفقاً كبيراً تحت الأرض يعود لحزب الله، في ثاني عملية من هذا النوع خلال الشهرين الماضيين، علماً أنّ الجيش لم يصدر بياناً رسمياً بشأن أي عملية كهذه.
وقال كوبر، في بيان، إنّ" تفكيك الأنفاق التي تستخدمها جهات غير حكومية بشكل خبيث لتخزين الذخيرة والصواريخ والطائرات المسيّرة الهجومية يعزز السلام والاستقرار في لبنان وانحاء المنطقة".
وأكد أنّ" العمل الجيد الذي يقوم به الجيش اللبناني وفريق الميكانيزم (لجنة مراقبة وقف العمليات العدائية) الذي تقوده الولايات المتحدة يساعد في إنفاذ الالتزامات التي تعهّد بها كل من لبنان وإسرائيل".
وفي قراءة لهذه التطورات، يقول مهنّد الحاج علي، الباحث في مركز مالكوم كير – كارنيغي للشرق الأوسط لـ" العربي الجديد"، " بداية، لا يمكن الفصل بين ما حصل في الهبارية، والتوغل الإسرائيلي الذي حصل في بيت جن السورية قبل أشهر، وهي الجهة المقابلة للهبارية، وهناك خوف عند الجانب الإسرائيلي من مسألة التنقّل بين لبنان وسورية، الذي يمثّل تهديداً بالنسبة إلى الاحتلال".
ويشير الحاج علي إلى أن" تغيّرات حصلت منذ بداية العام 2026 على مستوى العمليات الإسرائيلية، التي أعطيت عنوان صيانة الإنجاز الإسرائيلي الذي تحقق في حرب صيف وخريف 2024، وهذه الصيانة كانت تتطلب ضربات يومية بحجم معين، والآن، ارتأت إسرائيل أن ترفع وتيرة الضربات لتكون أعلى من جهود حزب الله لإعادة بناء وتقييم نفسه، في حال كان يفعل ذلك، بحيث يخسر أكثر ممّا يبني".
وبينما لا يوجد مسار تفاوضي الآن في لبنان يشي بالانتقال إلى مرحلة أخرى، مع استبعاد حصول سيناريو سورية، يقول الحاج علي، إنّ" الضربات الإسرائيلية قد ترتفع معدلاتها، وتتسع، خصوصاً أن الذي يمكن أن يغيّر الوضع اللبناني غير متوفر اليوم، ولا سيما على مستوى حصول ضغط أميركي أكبر على إسرائيل، وهذا ممكن أن يحصل بحالات معينة، مثل توتر أميركي إسرائيلي كبير مثلاً على خلفية عدم تطبيق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بالشكل الذي تريده الإدارة الأميركية، أو خضّة اقتصادية قد تدفع الرئيس دونالد ترامب لذلك، وغيرها من الملفات التي قد تجعله يغيّر سياسته الخارجية".
ويعتبر الحاج علي كذلك أنّ زيارة قائد الجيش" لم تظهر حتى الساعة أي خرق ولم تظهر الدولة اللبنانية دينامية دبلوماسية لإحداث خرق رغم كثرة الحراك والزيارات الخارجية، وهي غير قادرة حتى الساعة على تبديل الواقع السياسي بدينامية سريعة"، لافتاً إلى أنّ" هذا الواقع الميداني العسكري قد يستمر لفترة طويلة، وقد مرّ عليه أساساً نحو سنة ونصف، منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، ولا مؤشرات قريبة على انتهائه".
بدوره، يعتبر الباحث العسكري والاستراتيجي علي حمية بحديث لـ" العربي الجديد"، أنّ" التوغل والاختطاف، مثل عملية القنص، من العمليات الجديدة التي تطرأ على الاعتداءات الإسرائيلية خلال هذا العام".
ويشير حمية إلى" أننا قد نشهد تراجعاً بنسبة الاعتداءات، أو ظهورها بحلة جديدة، خصوصاً عند الانتقال إلى المرحلة الثالثة أو الرابعة من المفاوضات الأميركية – الإيرانية التي ستفرض نفسها على الميدان في المنطقة، وقد تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان بطلب أميركي".
ويستبعد حمية" نشوب حرب جديدة على إيران أو تنفيذ ضربة عليها، لكنه يتوقع إخضاعا وضغطا للكسب وحتى يتسنّى للأميركي والإسرائيلي الانتصار بالخراب من دون قتال أو معركة"، معتبراً أنّ" الجانب الإسرائيلي سيغتنم الفرصة حالياً كوقت ضائع ما بين الجولات الأميركية والإيرانية بالتفاوض بتنفيذ ضربات ابتزازية لغزة ولبنان من دون أن تصل إلى حرب".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك