يصادف متابع صحيفة" ذي غارديان" البريطانية بين الحين والآخر مقالات لرئيس وزراء بريطانيا السابق غوردن براون، فيصعب في تصوري ألا يلاحظ اختلافها الكبير في النبرة والرسالة عن مقالات أمثاله من الساسة السابقين أو القائمين، إذ يظهر فيها فعلاً أنه غادر السلطة، ولم يعد يمثل غير نفسه ورأسه سواء تكلم عن حاضر العالم ومستقبله في ظل ترمب، أم عن حرب غزة، أم عن غير ذلك مما يشغله في منصبه الأممي الحالي في مجال التعليم.
فضلاً عن أنه يبدو في هذه المقالات كاتباً نزيهاً، وأزعم أن هذا غير شائع كثيراً في وصف أهل السياسة.
والحقيقة أن هذا الشذوذ يبدو لي أخيراً مفهوماً إذ أقرأ بعض العروض النقدية لسيرة صدرت حديثاً بعنوان" غوردون براون: السلطة والهدف" للصحافي السياسي البريطاني جيمس ماكنتاير.
يبتعد الصحافي البريطاني المخضرم جوناثان فريلاند عن مقالات الرأي المعهودة منه ليستعرض هذا الكتاب [" ذي غارديان" - 9 فبراير (شباط) 2026] فيقول إن ماكنتاير يثني على براون فيصفه بـ" العملاق" ذي الطاقة الفكرية والإقبال المسيحي على عمل الخير.
لكنه يصفه أيضاً بأنه" شهير العيوب، بركاني المزاج، موهوب في الضغائن ـ فهو يمتنع مثلاً عن الحديث إلى روبين كوك مع أنه لا يكاد يتذكر السبب ـ نزَّاع إلى الريبة المجانية في من يعدهم خصومه، مستعد للاعتماد على طائفة من خبراء فنون التضليل البلطجية في بعض الأحيان".
ومرجع ذلك التناقض هو أن براون" يستعصي على التصنيف اليسير الذي تقتضيه السياسة والإعلام في عصرنا.
فهو في آن واحد ذو ذكاء ’مذهل رفيع المستوى‘ بشهادة توني بلير، وهو الذي يخطئ إذ يعد العشاء لسيدة ستصبح زوجته فيضع بطانية بدلاً من مفرش المائدة.
وهو باحث تاريخي مرموق، ولكن اهتمامه ينصب على العناوين اليومية لدرجة أن يخفي مساعدوه الصحف عنه ويغلقوا دونه أجهزة التلفزيون".
وعلى رغم أنه كان ذا طموح عظيم، " لم تستول عليه إغراءات السلطة أو ما كان ليجني من مال عند مغادرتها.
بل لقد أصر على دفع ثمن الطريق الذي سلكه، ووصل به الأمر أن دفع كلف ديكورات لـ’داوننغ ستريت‘ فتراكم عليه من جراء ذلك ’دين كبير‘.
ورفض أن يتقاضى راتبه التقاعدي عن رئاسة الوزراء".
ويوجه فريلاند إلى قرائه دعوة، يضعها بين قوسين، لمقارنة هذه النزعة بما تردد أخيراً عن بيتر ماندلسن" الذي أحياه براون من موته السياسي، فما كان منه إلا أن أفشى أسراراً حكومية لملياردير، في مقابل أموال بحسب ما تردد".
إشارة الإفشاء الهامشية هذه عند فريلاند استوجبت مقالة كتب فيها جيمس ماكنتاير [" أوبزرفر" - 6 فبراير 2026] أن براون هو البريطاني الوحيد الذي لم تدهشه فضيحة بيتر ماندلسن الذي كان وزيراً في حكومته ومن قبل في حكومة توني بلير، إذ زعمت تقارير أن ماندلسن سرَّب وهو وزير لتجارة براون معلومات اقتصادية حساسة لجيفري إبستين.
فكانت تلك فضيحة مدوية يقدِّر ماكنتاير أنها" ستزعزع حكومة ستارمر الذي بات مصيره مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بماندلسن، إذ كان على علم بعلاقته بإبستين حينما عينه سفيراً لدى الولايات المتحدة".
أما براون نفسه فنقلت عنه" ذي غارديان" أخيراً إعرابه عن أسف عميق لإدخاله ماندلسن في حكومته.
يصف فريلاند براون بأنه" رجل خجول، يظهر للعدسات في إحدى صورتين: صارم أو أخرق" ويزداد الطين بلة بسبب تعرضه لإصابة وهو مراهق يلعب الركبي جعلته يقضي غالب عام 1968 في سرير بمستشفى، راقداً في العتمة وأسفرت عن عمى دائم في إحدى عينيه وضعف بصر الأخرى فلا تسهل عليه مواجهة العدسات.
وهو في حياته الخاصة" رجل ودود ظريف، يتهكم من نفسه، مبرزاً الفارق بين ’أسلوبه الميكانيكي‘ وخطابة باراك أوباما البليغة"، ولعل تلك الطاقة الروحية هي التي جعلته على رغم نوبتي اكتئاب كبريين، إثر هزيمة انتخابية عام 2010، وإثر وفاة ابنته وعمرها عشرة أيام، " قادراً وهو في الـ75 على المواصلة، والاستيقاظ فجر كل يوم ليعمل ويعمل ويعمل".
اشتهر براون بالتردد، فابتليت رئاسته للوزراء بأسابيع من الإحجام عن الدعوة إلى انتخابات مبكرة بعيد توليه رئاسة الوزراء خلفاً لبلير.
واشتهر أيضاً بالحسم كما بدا في معالجته للأزمة المالية عام 2008 في الوقت الذي شهد ألوان الفشل من زعماء العالم.
" ففي مشهد لا ينسى لاجتماع قادة مجموعة الـ20 لإجراء محادثات في شأن الأزمة، قال نيكولا ساركوزي في رعب ’انظروا إلى الطاولة.
مقارنة بأسلافنا، نحن لا شيء.
ولنكن أمناء: ليس في هذه الغرفة من لديه خطة‘.
فنقر أوباما الميكروفون، ومال إلى الأمام قائلاً ’غوردون عنده خطة‘.
وصدق في ما قال، إذ أمر براون بإعادة رسملة البنوك فحال دون انهيار النظام المالي العالمي وأنقذ الاقتصاد العالمي من الغرق في الكساد".
لا يخفي ماكنتاير تعاطفه مع براون وإعجابه به، ولا أنه عاونه في تأليف الكتاب.
لكنه لم ينكر على خصوم بطل كتابه حق الكلام" فتحدث إلى بلير وأنصاره، وديفيد كاميرون، ومايكل غوف، ونيك كليغ، ونقل عنهم بإسهاب.
ويبدو بلير بالذات أشد تسامحاً مع براون في كتاب ماكنتاير منه في سيرته الخاصة التي كتب فيها عن براون أنه ’بالنسبة إلى الذكاء التحليلي: لا شك فيه.
أما بالنسبة إلى التعاطف: فلا أمل فيه‘".
ويحاول بلير جاهداً أن يكون كريماً مع الرجل الذي شاركه السلطة ثم تحول إلى صداع يومي له، بل ويؤكد أنه لا يجد غضاضة في طموح براون إلى المنصب الأعلى: ’ولم لا يتولاه؟ ‘".
من الطبيعي أن تحتوي سيرة براون حضوراً كبيراً لبلير، وللاتفاق الشهير بينهما عام 1994 على ألا ينافس براون على زعامة حزب العمال، متيحاً لبلير ترشيحاً يسيراً.
" لكن حتى التحليل المرهق لا ينتج حكماً نهائياً على ما جرى بالضبط بين الرجلين.
فهل وعد بلير بالتنحي بعد عشر سنين من قيادة الحزب أم بعد عشر سنين من رئاسة الوزراء، أم أن هذه تعهدات ما كان يمكن واقعياً قطعها في ظل تقلب السياسة؟ ".
يقول فريلاند إن ماكنتاير على رغم إعجابه ببراون" يخلص إلى أن الأمور سارت على خير ما يرام فـ’كان بلير الواجهة، وبراون وزير المالية، وتلك يقيناً كانت النتيجة الصحيحة في النهاية‘، لولا أن براون ظل غاضباً يقضم أظافره كلما تحدث بلير في اجتماعات مجلس الوزراء".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field).
في استعراض نيكولا ستورجون للكتاب [" أوبزرفر" - 5 فبراير 2025] مزيد من تفاصيل هذا العهد الشهير، " يغوص الكتاب في مصدر اعتقاد براون بأن بلير قد حنث بكلمته في معاهدة غرانيتا الشهيرة، التي أبرمت في مطعم إسلنغتن عام 1994.
إذ يعتقد براون أن بلير وعده بالتنحي بعد عشر سنين في قيادة حزب العمال، أي في عام 2004، بينما يعتقد آخرون أنه لو كان لالتزام كهذا وجود أصلاً فقد كان التزاماً بأن يتنحى بلير بعد ولايتين في رئاسة الوزراء، أي في عام 2007 لو اكتملت له ولايتان.
وبما أنني قضيت وقتاً طويلاً في أعلى مستويات الحكم، وكنت ذات مرة في موقف غير بعيد الشبه كثيراً حينما وافقت على عدم الترشح للقيادة لمصلحة أليكس سالموند، فإنني أستبعد كثيراً على شخص بخبرة براون أن يتصور حقاً أن بقاء رئيس وزراء في منصبه يعتمد على اتفاق تم وهو في المعارضة، وليس على الأحداث والظروف المحيطة بالحكومة، وأهم من ذلك أن يعتمد على مصالح البلد.
غير أن الكتاب لا يدع مجالاً للشك في أن هذا بالضبط ما كان يعتقده براون ويتوقعه من بلير".
يرى فريلاند أن إعلان مثل هذه التفاصيل" يشجع القارئ على الإقرار بعيوب براون مع تقدير مدى خفتها قياساً إلى سجل إنجازاته.
فقد قلَّل إلى النصف عدد الأطفال الفقراء، ورفع فرص العمل للشباب بنسبة 20 في المئة، وأسَّس وموَّل مراكز (بداية واعدة) مغيّراً من حياة الناس، إذ تبين لدراسة أجريت عام 2024 أن أبناء الأسر ذات الدخول المنخفضة المقيمة قرب هذه المراكز يحققون أداء في امتحانات الشهادة العامة للتعليم الثانوي يفضل أقرانهم المقيمين بعيداً منها بثلاث درجات.
ويشير ماكنتاير إلى أن حكومة حزب العمال الجديد كانت الأكثر حرصاً على إعادة توزيع الثروة في حقبة ما بعد الحرب بأكملها، وذلك بفضل مزيج من الحد الأدنى للأجور، والإعفاءات الضريبية، وتغييرات نظام التقاعد، وزيادة الإنفاق بشكل كبير على الهيئة الوطنية للخدمات الصحية.
ومثلما يشير أحد المستشارين السابقين فإنه ’من المهم للغاية ألا يفترض أعضاء حزب العمال أن مكافحة الفقر ستحدث تلقائياً بمجرد توليهم السلطة، فحينما حدث ذلك إنما حدث لأن حزب العمال كان لديه وزير مالية مصرٌّ على حدوثه‘".
" كذلك فإن منح بنك إنجلترا الاستقلالية أدى إلى استقرار الاقتصاد البريطاني، وأدى تصميم براون على إلغاء ديون البلاد الأشد فقراً إلى إلغاء مئة مليار دولار متيحاً لبعض أفقر شعوب الأرض أموالاً للمدارس والمستشفيات والمياه النظيفة.
صحيح أن القيود التي فرضها على كبار المستثمرين في لندن كانت كبيرة للغاية، وصحيح أنه لم يستقل بسبب غزو العراق، وصحيح أن دخول بريطانيا منطقة اليورو الذي عارضه براون كان يمكن أن يجعل الخروج من الاتحاد الأوروبي مستحيلاً، فالحقيقة العارية هي أن سجل إنجازات براون هائل واستثنائي، ويجعله من الشخصيات النادرة في التاريخ البريطاني الحديث".
" ومثلما يشير ماكنتاير في فصول كتابه الختامية، لم ينته براون بعد.
فسواء من خلال عمله مبعوثاً للأمم المتحدة لشؤون التعليم، أو ضمانه فرصة تعليم مدرسي لملايين من أطفال اللاجئين السوريين في لبنان، أو إقناعه (أمازون) بتسليم السلع غير المستعملة لملء ’البنك المتعدد‘ الذي ابتكره ـ ’وهو بنك طعام وثياب وأدوات نظافة شخصية وأغطية ومستلزمات أطفال وأدوات رعاية صحية وأثاث‘ ـ فإن براون يؤدي من أعمال الخير أكثر مما قام به أي من أسلافه الذين وصلوا إلى منصب رئيس الوزراء".
وأخيراً يشير فريلاند إلى أن براون كان يوصف - لفترة في الأقل خلال السنوات الـ13 التي تربع فيها على قمة السياسة البريطانية - بأنه" بطل شكسبيري"، فهو رجل أسكتلندي ارتقى إلى العرش بطموح جامح، وأحيطت حياته بمشاعر قوية من قبيل الحسد، لكن سيرة ماكنتاير الكاشفة تصور براون بالأحرى" بطلاً لرواية فكتورية، ذا حياة ملحمية صاغها حظ عاثر في أولها ثم مأساة في آخرها، وكان دافعه الدائم فيها إلى التقدم هو الغرض الأخلاقي الذي لا يزال لهبه مضرماً بداخله".
وفي مقابل إعجاب فريلاند الواضح، وغير المشروط تقريباً، بغوردون براون، تكتب نيكولا ستورجون عرضاً أقرب إلى التوازن [" أوبزرفر" - 5 فبراير 2025] فعنوانه بداية هو" لماذا غيَّرت رأيي في غوردون براون"، واستهلاله يركز على فضيحة بيتر ماندلسن الأخيرة، وإن قال صراحة إن" براون لا يلام في علاقة ماندلسن بجيفري إبستين".
وعلى رغم أن" كثرة الإشارات إلى ماندلسن في هذه السيرة المثيرة قد تكون مواتية للحظة الراهنة، لكنها تبرز للقارئ نقطة ضعف في الكتاب، وهو أنه سرد لمشروع حزب العمال الجديد والقطيعة مع توني بلير بقدر ما هو صورة لغوردون براون نفسه.
فسرد التوترات المضطرمة مع بلير يمضي بنا عبر طريق مبذول، ويذكِّرنا بأحد التناقضات المذهلة في شخصية براون.
فلا شك أنه سياسي ذو عقيدة أراد أن يسخِّر منصبه لعمل الخير، ونجح في هذا من أوجه كثيرة، لكنه لم يتمكن من التخلص من إحساسه بأنه تعرض لخيانة من قيادة حزبه ممثلة في شخص كان يعده دائماً أدنى منه، فكان استياء براون هذا سبباً في دأبه على تقويض وزعزعة تماسك حكومة كان من كبار شخصياتها، وكانت أداة للتغيير الذي أراد تحقيقه".
تلفت نيكولا ستورجون النظر إلى أن أفضل فصول الكتاب هي مفتتحه ونهايته، فالقسمان في رأيه هما الأكثر إضافة إلى قدرة القارئ على فهم شخصية براون، بمعرفة التأثيرات التي تعرض لها في طفولته فشكَّلته حتى صار السياسي الذي صار إليه، والذي حقق إنجازاً كبيراً بتقليص عدد الأطفال الفقراء.
أما قسم الكتاب الأخير فيصوره" صاحب إيمان، وابنا حقيقياً لأبيه الذي كان قساً في كنيسة اسكتلندا، وصاحب رؤى عميقة ومتينة لدور الدين في السياسة.
ولعل أعظم إرث لبراون هو ضربه المثال منذ أن ترك السلطة، ومن خلال عمله العالمي في التعليم والعمل الخيري على الصعيد المحلي لكيفية قضاء حياة ما بعد السلطة في سبيل هدف".
ونيكولا ستورجون تقول هذا على رغم جانب شخصي يؤثر في رؤيتها لبراون وللكتاب بالتبعية.
فـ" طوال فترة عضويتي للحزب الوطني الاسكتلندي كنت أراه [أي براون] خصماً.
لم يكن تركيزنا منصباً على نقاط قوته وإنجازاته بقدر ما انصب على عيوبه السياسية، ومن أهمها معارضته لاستقلال اسكتلندا.
وواضح من سرد ماكنتاير أن ذلك الموقف نبع لدى بروان على الدوام من اعتقاد نفعي بأن الاتحاد مسار أفضل إلى العدالة الاجتماعية من الاستقلال، وهو ما كنت أعارضه معارضة تامة، وواضح أيضاً أن موقف براون لم يكن مرتبطاً بأية مشاعر أو متعلقاً برموز الهوية البريطانية".
" لكن الآن وقد خرجت من خنادق السياسة، يمكنني أن أنظر إلى براون نظرة أكثر موضوعية.
وفي رأيي أن تقدير ماكنتاير الإيجابي لبراون له ما يبرره، وهو تقدير إنصاف لا تقدير تملق".
عنوان الكتاب: Gordon Brown: Power with Purpose.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك