ما زال حكام النظام العربي يتمسكون بثوابتهم في اغتصاب سلطة الشعب واحتكارها ووضع أنفسهم في حالة عداء مع شعوبهم والبحث عن حماية أجنبية في عطاء فازت به أمريكا مبكراً بالتلزيم، كونها صاحبة المصلحة الأساسية في شراء التبعية العربية بكل مقدراتها القيمية والسياسية والمادية.
وأعطوا لأمريكا كل شيء.
إلا أن انقلاب أمريكا على النظام الدولي بقوانينه وأعرافه السياسية والقيمية وانفراط قواعد تحالفاتها مع حلفائها الأصليين الأوروبيين، وضع الأنظمة العربية في زاوية مُعتمة تتحسس فيها رؤوسها فرادى لا كمجموعة عربية.
فأمريكا كانت حريصة على أن لا تنعكس التجربة الأوروبية المبكرة على زبائنها من العرب.
فرغم وحدة المستنقع الذي يجمعها في مدار واحد في فلك أمريكا ورغم توفر فرص النجاة والنماء والصمود لها في تكامليتها أكثر من أي دولة أو مجموعة جغرافية أخرى، فلم تجنح هذه الأنظمة نحو أي تعاون مشترك في أي مجال.
وبدلا من أن تبحث عن حماية نفسها ومصالح دولها وشعوبها من خلال تضامنها كمجموعة واحدة، أبقت على شكلية جامعتها وأخذت تبحث فرادى تحت وطأة الرعب من أمريكا عن تحالفات مع دول إسلامية تسبح في ذات الفلك الأمريكي وتعاني من نفس عقدتها.
لا أقول بأن تلك الأنظمة الإسلامية تعاني من نفس مرض الأنظمة العربية، فهي لا تبيع نفسها، ولكنها تبحث عن مصالحها بمعزل عن القيم والمبادئ، ولا يُمكن أن تصنع لأنظمة العرب حماية.
ففي العملية ابتزاز مالي وخداع لشعوبها، وفيه انتظار المنبطح لمصيره، وتقديم دولها بكليتها الى الصهيو-امريكي كمُلك يمين.
وفي هذه الحالة لا يُقبل من النخب والشعوب أن تترك الأمر لحكام خونة وحمقى وتتنصل من المسؤولية، وإلّا فالخيانة تركبها كشوب.
والثمن هو “الخرج بما فيه، ومعه الحمار”.
العالم يعيش مرحلة مخاض إكراهي تقوده أمريكا نحو نظام دولي سلفي يُلغي القيم الحضارية ويرسخ المادية.
نظام سلفي لا مسيحي ولا إسلامي بل يهودي صهيوني.
إبراهيميته يديرها المحفل الماسوني الأكبر، وتركيزه على االرموز والطقوس الإسلامية.
الشرق الأوسط مرعاه ومنصة انطلاقته، وما ابتدأه بوش المعلم يُكمله ترمب التلميذ.
المسلمون والعرب حمولة زائدة في العربة الأمريكية تسقط مع أول هزة الى العالم السفلي.
أما التحديات المفترضة أمام أمريكا في الشرق الأوسط ثلاثة هي، شعوبه كتحد افتراضي، وإيران كواجهة لتحد دولي قائم، والعناية الإلهية.
إخضاع إيران مفتاح متعدد الأغراض لأمريكا.
ـ الأول: يُغلق الطريق أمام احتمالية تمرد دول المنطقة العربية وينقلها من حالة الركوع إلى السجود.
ـ الثاني: جرس إنذار الى دول العالم الثالث.
ـ والثالث: إطباق الكماشة على ثروة وسلاح الطاقة.
ـ والرابع: يُغلق طريق الصين نحو الغرب ويفتح طريق أمريكا نحو الشرق ويقص من أجنحة روسيا في الاتجاهين.
ـ والخامس: يزيل أخر قلق “لإسرائيل” في المنطقة.
فالمسألة الإيرانية بالنسبة لأمريكا ليست مجرد الملفات المطروحة للتفاوض، فهذه مجرد ذريعة لو لم توجد لأوجدت غيرها.
شروط أمريكا لا تتوقف إلّا عند استسلام إيران لحضنها بنظام تبعي وراضخ؟ وتبقى الحرب حرب إسرائيل، والمفاوضات هشة جداً لأنها مفاوضات أريد لها أن تكون بلا مرجعية متفق عليها سلفاً من الطرفين، وهو ما يؤكد بأنها مفاوضات استخدامية الهدف.
من الخطأ الجسيم والخيانة للمبادئ أن تُترك إيران وحدها.
فليست وحدها ستخسر.
ولا إمدادها بالسلاح سيغير معادلة القوة والنتائج المتوخاة أمريكياً.
إيران تضحي وتواجه أمريكا من أجل كرامتها الوطنية وفي ذلك درس للكبار والصغار.
أما ما يوقف هيجان أمريكا شرقاً وغرباً ويوقف مشروعها في تشكيل نظام دولي صهيوني رجعي، هو المسارعة إلى تشكيل تحالف سياسي من دول كبرى ونووية ضد السياسات الأمريكية بهدف جرها إلى طاولة التفاوض لبناء نظام دولي جديد بدون حرب، قوامه الأمن الجماعي.
ومن هذا المنبر أخاطب حكومة بلادي، حكومة الملك الهاشمي أن تلتزم بالقانون الدولي وبشروط القواعد العسكرية وتحذو في هذا حذو غيرها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك