يفرض شهر رمضان حضوره مبكرا في البيوت الجزائرية، لا بوصفه موعدا دينيا فحسب، بل كضيف عزيز يعيد ترتيب تفاصيل الحياة اليومية لاستقباله بما يليق بمكانته الخاصة في الوجدان الجماعي.
وقبل حلول الشهر الفضيل، تبدأ ملامح التحوّل في نمط العيش بالظهور، حيث تنخرط العائلات في استعدادات واسعة تمزج بين الطقوس الدينية والعادات الاجتماعية المتوارثة، لتتحول البيوت والأحياء وحتى الأسواق إلى فضاءات تعكس حالة استنفار هادئة عنوانها التحضير لرمضان.
من داخل المنازل، تنطلق أولى ملامح الاستعداد بما يُعرف شعبيا بالتنظيف الكبير، وهو تنظيف يتجاوز الروتين اليومي أو الأسبوعي، ليشمل أدق زوايا البيت.
الأرضيات، الجدران، الأسقف، النوافذ، الأثاث، وحتى الخزائن، كلها تخضع لعملية تنظيف شاملة تعكس رغبة العائلات في استقبال الشهر الفضيل ببيوت نقية ومنظمة.
تقول السيدة فاطمة، ربة بيت في الأربعين من عمرها من سطيف: “إن رمضان لا يُستقبل مثل باقي الأشهر، هو شهر له هيبته، ونشعر أننا مطالبون بتهيئة البيت كما نهيئ أنفسنا روحيا”.
ولا يتوقف الأمر عند التنظيف، بل يمتد لدى الكثير من العائلات إلى تجديد الأواني المنزلية وطاولات الطعام، والتخلص من القديمة التي أنهكها الاستعمال، في حين يذهب البعض إلى تغيير قطع من الأثاث أو إعادة ترتيبها، بينما تختار عائلات أخرى طلاء جدران منازلها، معتبرة أن رمضان مناسبة لتجديد الفضاء الأسري وبث روح جديدة في البيت.
هذا الحراك لم يبق حبيس الجدران، بل امتد إلى الأحياء السكنية، خاصة تلك التابعة لوكالة “عدل”، حيث شهدت عدة مجمعات سكنية حملات تنظيف واسعة شملت العمارات، الممرات المشتركة، الساحات ومحيط الإقامات.
مبادرات جماعية شارك فيها السكان، أحيانا بالتنسيق مع الجمعيات أو البلديات، تعكس وعيا متزايدا بأهمية المحيط النظيف خلال الشهر الفضيل، باعتباره امتدادا لنظافة البيت وراحة الصائم.
لوازم مائدة رمضان تحضّر مبكرا بطقوس متوارثة.
وفي موازاة ذلك، تنشغل العائلات بضبط ترتيبات مائدة رمضان، وهي طقوس لا تقل أهمية عن تنظيف البيوت، فالأسواق تشهد حركة لافتة لاقتناء التوابل الأصلية ذات النكهة الرمضانية، والتي تحرص ربات البيوت على اختيارها بعناية من محلات معروفة بجودة منتجاتها مثل الكمون، القرفة، الفلفل الأسود، رأس الحانوت، وغيرها من التوابل التي تُعدّ أساسا لأطباق رمضان، تقتنى بكميات محسوبة لضمان نكهة أصيلة طوال الشهر.
ويحافظ الفريك السطايفي على مكانته في صدارة الأطباق التي تزيّن مائدة رمضان، مؤكّدا مرة أخرى سيادته كأحد أكثر المكوّنات ارتباطا بالشهر الفضيل في العقل الجمعي للجزائريين.
ولم يعد حضوره مقتصرا على البيوت المحلية، بل تجاوز الحدود ليحجز مكانه في حقائب المهاجرين، الذين يحرصون على حمله معهم كجزء من ذاكرة المائدة ورائحة الوطن، لما يتميّز به من جودة تسبق الأبصار قبل أن ترضي الأذواق، ولا عجب أن تجد الفريك السطايفي في أسواق مدينة ليون الفرنسية وغيرها من مدن أوروبا.
ويجمع العارفون بميدان الحبوب على أن الفريك الذي تشتهر به منطقة سطيف يُعدّ الأجود من دون منازع، بفضل ذوقه الرفيع، ونضارته، وصفائه، وهي خصائص جعلته عنصرا لا غنى عنه في شربة رمضان الحمراء، تلك الشربة التي تسحر العيون قبل أن تفتح شهية الصائمين.
وتكتمل القعدة الرمضانية، كما تقول ربات البيوت، حين يكون الفريك السطايفي هو المادة الأساسية في هذه الشربة التي ارتبطت بالشهر الفضيل ارتباطا وثيقا، وتناوله بالمطلوع أو خبز الدار أو حتى البوراك.
ومع اقتراب رمضان، يتجدّد الحديث عن الفريك السطايفي، ويبدأ الإقبال عليه مبكرا من مختلف ولايات الوطن، حيث تحرص العائلات على اقتنائه بكميات معتبرة تكفي لتحضير ثلاثين شربة كاملة وأخرى في عيد الفطر.
كما يمتد هذا الطلب إلى أفراد الجالية الجزائرية في الخارج، الذين يعتبرونه من أثمن الهدايا القادمة من أرض الوطن، وحلقة وصل ذوقية وعاطفية تعيدهم، مع كل طبق، إلى أجواء رمضان في الجزائر.
أما في قسنطينة، فتأخذ الاستعدادات طابعا خاصا مع بداية تحضير “شباح الصفرا”، سواء المصنوعة من الجوز أو اللوز، وهو الطبق الذي ارتبط باسم مدينة الجسور المعلقة خلال رمضان.
وتبدأ العائلات بتحضيره في شهر شعبان بصناعة المادة الأولية، في تقليد تحوّل لدى بعض الأسر إلى نشاط تجاري موسمي، تُسوّق من خلاله منتجاتها داخل الوطن وحتى خارجه، ما يعكس تحوّل بعض العادات الرمضانية إلى مصدر رزق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك