المستقلة /- في وقتٍ تشهد فيه الأسواق العراقية موجة جديدة من تذبذب سعر صرف الدولار، خرج محافظ البنك المركزي العراقي علي العلاق ليضع المسؤولية بشكل مباشر على بعض التجار، مؤكداً أن السعر الرسمي ثابت، وأن الارتفاع في “السوق الموازية” سببه لجوء المستوردين إلى السوق السوداء بعد تغيّر آليات الاستيراد.
لكن خلف هذا التفسير الرسمي، تبرز أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة الأزمة النقدية، ووضع المصارف، وقدرة النظام المالي العراقي على مواكبة المتغيرات الدولية.
أولاً: هل المشكلة فعلاً في التجار فقط؟حديث محافظ البنك المركزي يركّز على سلوك المستوردين واتجاههم إلى شراء الدولار من خارج القنوات الرسمية، إلا أن هذا السلوك لم يأتِ من فراغ.
الواقع أن التاجر يلجأ إلى السوق الموازية عندما تصبح القنوات المصرفية الرسمية:
أكثر تعقيداً في إجراءات التدقيق.
وبالتالي، فإن السوق السوداء لا تُخلق بسبب “رغبة” التاجر، بل بسبب خلل في كفاءة القناة الرسمية مقارنة بإيقاع السوق الحقيقي.
ثانياً: الاقتصاد العراقي… سيولة عالية وثقة منخفضة.
رغم تأكيد البنك المركزي عدم وجود مشكلة في الاحتياطيات من الذهب والعملات الأجنبية، إلا أن المشكلة الأساسية في الاقتصاد العراقي اليوم ليست في حجم الاحتياطي، بل في ضعف الثقة بالنظام المالي.
يعتمد بشكل واسع على التداول النقدي خارج المصارف.
مع محدودية استخدام الحسابات المصرفية في النشاط التجاري الحقيقي.
وهذا يعني أن أي ضغط على قنوات التحويل الرسمية ينعكس فوراً على السوق الموازية.
ثالثاً: وضع المصارف العراقية في الوقت الحالي.
وضع المصارف – وخاصة الأهلية – يمر بمرحلة شديدة الحساسية يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط رئيسية:
1.
تضييق دولي على التحويلات الخارجية.
المصارف العراقية تعمل اليوم تحت رقابة مشددة مرتبطة بمتطلبات الامتثال الدولية (AML وKYC)، ما أدى إلى:
ارتفاع نسبة رفض أو إيقاف بعض الحوالات.
تدقيق طويل على المستفيدين وسلاسل التوريد.
2.
ضعف البنية التشغيلية للمصارف.
عدد كبير من المصارف العراقية ما زال:
يفتقر إلى أنظمة متقدمة لإدارة المخاطر.
يعتمد على إجراءات تقليدية لا تتناسب مع متطلبات النظام المالي العالمي.
3.
هشاشة دور المصارف في تمويل التجارة.
المصارف في العراق لا تؤدي حتى الآن دوراً حقيقياً في تمويل الاستيراد، بل تحوّلت في كثير من الأحيان إلى مجرد وسيط لتنفيذ الحوالات، من دون منظومة مصرفية متكاملة تموّل وتتابع وتؤمّن العمليات التجارية.
رابعاً: لماذا يظهر الدولار دائماً في السوق السوداء؟تصريح العلاق بأن “لا توجد سوق رسمية للعملة خارج البنك المركزي” صحيح من الناحية القانونية، لكن من الناحية الاقتصادية فإن السوق الموازية أصبحت:
وليست مجرد نشاط غير قانوني معزول.
طالما أن التاجر لا يستطيع إنجاز معاملته بسرعة ومرونة عبر المصرف، فإن السوق الموازية ستبقى موجودة مهما كانت شدة الرقابة.
خامساً: أين تكمن المشكلة الحقيقية؟المشكلة الجوهرية لا تكمن فقط في سلوك التجار، بل في:
فجوة بين السياسة النقدية والواقع التجاري.
ضعف قدرة المصارف على تحمّل متطلبات الامتثال الدولي دون تعطيل السوق.
العراق لا يواجه اليوم أزمة احتياطي أو قدرة على ضخ الدولار، بقدر ما يواجه:
أزمة نظام مصرفي غير قادر بعد على استيعاب حركة التجارة الخارجية بالسرعة والمرونة المطلوبة.
وما لم تُعالج جذور الخلل داخل المصارف نفسها، وتُفعّل أدوات حقيقية لتمويل التجارة وتنفيذ الحوالات بكفاءة، فإن تصريحات الطمأنة ستبقى مؤقتة، وسيظل الدولار يتذبذب كلما تغيرت آلية أو تشدد إجراء.
الدولار في العراق لا يتحرك فقط بسلوك التجار… بل بضعف المصارف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك