لا أسعى هنا إلى ادعاء امتلاك الحقيقة، ولا إلى الدفاع عن فكرة بدافع شخصي أو سياسي، بقدر ما أحاول مقاربة الموضوع بقدر من التجرُّد والمسؤولية الفكرية.
فكثيرا ما نجد أنفسنا مضطرين إلى إعادة النظر في قناعاتنا عندما تواجهنا الحقيقة بوضوحها الصارم ونقائها الحاد، سواء جاء ذلك مبكرا أم متأخرا، إذ تظل الحقيقة في النهاية عصية على الإخفاء أو الالتفاف.
وربما يكون من مقتضيات الصدق مع الذات أن نسعى إلى قراءة الوقائع بموضوعية، وأن نتحرر من الأحكام المسبقة أو الانطباعات العابرة، فنقارب القضايا الوطنية الكبرى بمنهجية تقوم على التحليل الرصين واستحضار المعطيات الواقعية، بعيدا عن التهويل أو التقليل من شأن الأمور، فالمشاريع الإستراتيجية، بحجم ما يمثله منجم غار جبيلات، لا يمكن اختزالها في مقاربات آنية أو قراءات جزئية، بل تقتضي فهما عميقا لتشابكاتها الاقتصادية والجيواستراتيجية والتنموية، في إطار رؤية وطنية شاملة تستحضر رهانات الحاضر وتحديات المستقبل.
الجغرافيا والديموغرافيا قبل الاقتصاد.
لا يمكن ربط التنمية وفك العزلة عن السكان بالعائد الاقتصادي وحده، ولا يمكن قياس مشاريع ربط الوحدة الوطنية بالربح والخسارة المالية فقط، فهناك عاملان أساسيان لا يقلَّان أهمية عن أي اعتبار اقتصادي، هما الجغرافيا والديموغرافيا، وهما قاعدتان صلبتان لأي توجُّه وطني حقيقي، فمنطقتا تندوف وبشار مثال صارخ على مناطق طالما استهدفتها المخططات التوسعية والأوهام التلوينية، كما أن الأصوات المشوِّشة ازداد صراخها مع قرب استغلال منجم غار جبيلات، ليس حرصا على مصالح الجزائر وشعبها وماله العامّ، بل بهدف تشويه مشاريع الدولة، وإعاقة أي توجه إيجابي لربط تلك المناطق بمسار التنمية الوطني، الذي أخّرته الأزمات المختلفة التي مرت بها الجزائر.
وهنا وجب أن ندرك بأن إعمار الجنوب الغربي للجزائر ليس مجرد كلفة اقتصادية محسوبة على قاعدة الربح والخسارة، بل هو رؤية إستراتيجية عميقة تهدف إلى تأمين المنطقة سياسيا وأمنيا ومجتمعيا، قبل أي اعتبار مالي أو صناعي، ففك العزلة وربط مناطق البلاد بسلاسل حديدية بمعناها التقليدي أو الاستراتيجي مع توفير بنية تحتية متكاملة يمثِّل أحد الأدوات الأساسية لتعزيز تماسك الوطن واستدامة سيادته، ويقلص الأعباء عن السلطات المقبلة في إدارة ملفات كانت لسنوات ثقلا هائلا على عاتق صانعي القرار، وهو نهج من شأنه أن يحوِّل الفضاءات النائية من مناطق هامشية إلى محاور إنتاجية وإستراتيجية داخل قلب الدولة النابض بالحياة.
وهنا وجب التأمل في التجارب التنموية العالمية، وفي مقدمتها التجربة الصينية في تنمية المناطق المفتوحة جغرافيًّا والضعيفة ديموغرافيًّا، من خلال برنامج “التنمية نحو الغرب” الذي أطلقته بكين مطلع الألفية الثالثة، فهذا البرنامج لم يكن قائما على حسابات الربح الاقتصادي المباشر بقدر ما كان قائما على رؤية إستراتيجية تعتبر أن إدماج الجغرافيا الطرفية (الأطراف) في القلب الاقتصادي والسياسي للدولة يمثل استثمارا في استقرار الدولة ووحدتها على المدى الطويل.
وقد ضخّت الصين مئات المليارات من الدولارات في بناء سكك الحديد، والطرق السريعة، والمدن الصناعية، وشبكات الطاقة في مناطق شاسعة مثل شينج يانغ والتبت ومنغوليا الداخلية، رغم ضعف الكثافة السكانية وارتفاع كلفة الاستثمار، إدراكا منها أن الفراغ الجغرافي يمثل هشاشة إستراتيجية قد تتحول إلى تهديدات أمنية أو اختلالات تنموية عميقة.
ومن خلال هذا البرنامج نجحت الصين في التعامل مع الجغرافيا باعتبارها رصيدا سياديا لا مجرد فضاء اقتصادي، فكان الهدف هو خلق دينامية عمرانية وصناعية واجتماعية قادرة على جذب السكان والاستثمارات وتوسيع الامتداد الوطني للدولة، إذ أثبتت هذه المقاربة أن الاستثمار في البنية التحتية داخل المناطق النائية لا يقاس بعائداته المالية الآنية، بل بقدرته على إعادة توزيع الثروة الوطنية، وتوسيع المجال الحيوي للاقتصاد، وتعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي.
ومن هذا المنظور، فإن مشاريع ربط الجنوب الغربي الجزائري بالبنية التحتية الثقيلة، وفي مقدمتها مشروع غار جبيلات وشبكات النقل المرتبطة به، يمكن قراءتها ضمن فلسفة تنموية مشابهة ترى أن تحصين الجغرافيا عبر التنمية يمثل أحد أعمدة الأمن القومي، وأن ملء الفراغات الديموغرافية والاقتصادية ليس خيارا تنمويا فقط، بل ضرورة إستراتيجية لضمان استمرارية الدولة وتحقيق توازنها المجالي.
التوازن المجالي والتنمية العادلة.
إن التوجه الحكومي القائم اليوم لا يمكن اختزاله في استغلال غار جبيلات بوصفه مشروعا منجميا ماثلا بذاته وبهالته الاقتصادية، بل يندرج ضمن تصور أوسع لإعادة هندسة المجال الوطني وإعادة إدماج عمقه الجغرافي في الدورة التاريخية والاقتصادية للدولة، فالمسار الذي يمتد من الجنوب الغربي نحو أدرار وتمنراست، و ربما وصولا إلى إيليزي وجانت، لا يعكس مجرد خيارات لوجستية أو استثمارية ظرفية، بل يؤشر على انتقال واع من منطق “المشاريع المنفصلة” إلى منطق “البنية المجالية المتكاملة”، إذ يعاد توزيع الثقل الاقتصادي والديموغرافي بما يخدم تماسك الدولة واستدامة وحدتها.
وفي هذا الإطار، تتحول الصحراء من هامش جغرافي ينظر إليه تقليديا كفضاء مفتوح للعبور أو احتياطي مؤجل، إلى مجال مركزي لإنتاج الثروة وبناء الاستقرار، فشبكات النقل، وعلى رأسها الربط الطرقي والسككي، والمشاريع الطاقوية والمنجمية، يجب أن لا تكون غايات في ذاتها لتحقيق عدالة التنمية، بل أدوات لإعادة تنظيم المجال الوطني وفق منطق التنمية الحديثة، التي تؤكد أن غياب التكامل الجغرافي يولد اختلالات اقتصادية، ويعمق الفوارق الاجتماعية، ويضعف قدرة الدولة على تمكين سيادتها.
وتتلاقى هذه الرؤية مع تجارب دولية أثبتت أن الاستثمار في الأطراف ليس خيارا اقتصاديا ضيقا، بل قرارا سياديا طويل الأمد، فقد اعتمدت أستراليا، التي تتشابه مع الجزائر في اتساع المجال الجغرافي وهيمنة المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية، على سياسة تنموية قائمة على ربط المناطق الداخلية النائية بشبكات السكك الحديدية والموانئ وممرات نقل المعادن والطاقة، رغم محدودية الكثافة السكانية وارتفاع كلفة الاستثمار.
الربط الإقليمي والتكامل الافريقي- الاوروبي.
لن يكون غار جبيلات مجرد بداية إستراتيجية ولا مجرد انطلاقة حيوية لمشروع منجمي معزول، بل سيمثِّل حجر الأساس لإعادة تموضع الجزائر داخل معادلات الربط الإقليمي والتكامل الإفريقي- الأوروبي.
موقع وتموقع تندوف من خلال غار جبيلات، جغرافيا واستراتيجيا واقتصاديا، يجعلها بوابة طبيعية نحو الزويرات في موريتانيا من خلال الطريق البري الذي تشرف الجزائر على انجازه، ومنها إلى نواكشوط وصولا إلى داكار، ضمن محور غرب- إفريقي واعد يربط الجزائر مباشرة بالمحيط الأطلسي، ويمنحها منفذا استراتيجيا نحو أسواق إفريقيا الغربية وموانئها الكبرى، بعيدا عن منطق العزلة القارية الذي طبع المرحلة السابقة.
ويكتسب هذا المحور بعدا اقتصاديا أعمق إذا ما نُظر إليه ضمن منظومة لوجستية متكاملة تشمل السكك الحديدية، والطرق العابرة للحدود، والموانئ الجافة، بما يسمح بتحويل تدفقات السلع والمنتجات الجزائرية نحو فضاء الإيكواس، الذي يضم أكثر من 400 مليون نسمة ويعدُّ من أسرع التكتلات الإفريقية نموا.
وبالتوازي مع ذلك، يفتح محور أدرار- تمنراست أفقا استراتيجيا لا يقل أهمية باتجاه النيجر ومالي وعمق الساحل الإفريقي وصولا إلى بوركينافاسو، فتعزيز الربط الطرقي والطاقوي مع نيامي خاصة يضع الجزائر في قلب التحولات الجيو-اقتصادية الجارية في المنطقة، خاصة في حال تجسيد مشروع أنبوب الغاز “نيجال” العابر للصحراء (نيجيريا- النيجر- الجزائر)، الذي يعدّ أحد أكبر المشاريع الطاقوية القارية، إذ أن هذا الأنبوب، وفق المعطيات الرسمية، ليس الهدف منه فقط تصدير الغاز النيجيري نحو أوروبا، بل إعادة رسم خريطة الطاقة الإفريقية، وجعل الجزائر محطة طاقوية محورية للتحويل، والتخزين، والتوزيع.
ومن منظور أوسع، فإن هذا الامتداد نحو النيجر ودول الساحل يتيح للجزائر الوصول المنظم إلى أسواق وسط إفريقيا، وربطها بشبكات النقل والطاقة العابرة للحدود، بما يعزِّز مكانتها كفاعل مركزي في التكامل القاري، كما أن هذا التوجه ينسجم مع الإستراتيجية الإفريقية للجزائر القائمة على منطق الشراكة، والتنمية المشتركة، وربط الأمن بالتنمية، في فضاء يعاني من هشاشة أمنية بنيوية واختلالات اقتصادية عميقة.
وعليه، فإن غار جبيلات لا يمكن قراءتُه كمشروع منجمي فحسب، بل كرافعة جيو- اقتصادية لإعادة إدماج الجزائر في محيطها الإفريقي الواسع، وربط هذا المحيط بالفضاء الأوروبي عبر المتوسط، وهي بالأساس مقاربة تقوم على تحويل الجغرافيا إلى أصل استراتيجي، والبنية التحتية إلى أداة سيادية، بما يؤسس لدور جزائري جديد كجسر اقتصادي وطاقوي بين إفريقيا وأوروبا، ضمن رؤية طويلة المدى تتجاوز منطق الريع إلى منطق التكامل والتنمية المستدامة.
ولفهم أثر منجم غار جبيلات يجب النظر للأمر من منظور الاقتصاد الكلي.
فهو ليس مجرد منجم للحديد، بل رافعة هيكلية قادرة على إعادة تشكيل بنية الاقتصاد الوطني إذا تم تفعيلها وفق مقاربات كلية تربط بين الموارد الطبيعية والتصنيع وسلاسل القيمة، في ظل نفاد الاحتياطي في بوخضرة والونزة الذي لا يتجاوز 80 مليون طن.
فاستغلال غار جبيلات مرشح أن يؤثر بشكل ملموس على الناتج الداخلي الإجمالي للجزائر عبر تقليص فاتورة استيراد الحديد والصلب التي تتراوح بين 1.
2 و1.
6 مليار دولار سنويا، وتقوية ميزان المدفوعات، وبناء قاعدة صناعية تدعم النمو المستدام.
وفي حال بلوغ الإنتاج 50 مليون طن سنويا من خام الحديد، وبمتوسط سعر عالمي للخام بين 90 و100 دولار للطن، يمكن تحقيق إيرادات أولية تقارب 4.
5 إلى 5 مليارات دولار سنويا، لكن هذه الإيرادات ليست ربحا صافيا بعد خصم تكاليف الاستخراج والنقل والمعالجة.
أما التصنيع المحلي فيضيف قيمة أكبر، لأن إنتاج طن واحد من الصلب يحتاج بين 1.
5 و1.
7 طن من الخام، ما يتيح إنتاج 30 إلى 33 مليون طن من منتجات الصلب نصف المصنعة والنهائية، وبحساب بأسعار الصلب في أوروبا التي تتراوح بين 620 و760 دولارا للطن في أوائل 2026، قد يصل الإنتاج السنوي إلى 20.
5-25 مليار دولار.
وفي حال توجيه جزء من الإنتاج لتغطية الطلب المحلي، الذي يقدر بنحو 15 مليون طن سنويا، فإن ذلك يتيح تقليص فاتورة الاستيراد بشكل كبير أو إلغائها، ما يوفر بين 1.
2 و1.
6 مليار دولار سنويا من العملة الصعبة.
أما الفائض من الإنتاج (المقدر بين 15 و18 مليون طن من الصلب أو ما يعادله من منتجات نصف مصنعة) فيمكن تصديره إلى أوروبا، ما يدر عائدات تتراوح بين 9.
3 و13.
7 مليار دولار سنويا.
وبذلك يصل الأثر الإجمالي على العملة الصعبة إلى نحو 10.
5- 15.
3 مليار دولار سنويا، وهو رقم كبير يعزز ميزان المدفوعات.
لكن يجب وضع في الحسبان أن صناعة الحديد والصلب تستهلك كميات كبيرة من الغاز، وقد يصل الاستهلاك إلى 20- 25 مليار متر مكعب سنويا.
وبالسعر المحلي المدعوم في الجزائر (حوالي 0.
02- 0.
03 دولار للمتر المكعب) تكون تكلفة الغاز 0.
4 – 0.
75 مليار دولار سنويا، أما في حال رفع الدعم إلى السعر المرجعي (0.
08–0.
10 دولار للتر المربع) فستصل التكلفة إلى 1.
6- 2.
5 مليار دولار، ما يضغط على الربحية لكنه يرفع إيرادات الخزينة العمومية.
وبحسب نماذج دولية، فإن هامش القيمة المضافة في الحديد والصلب يتراوح بين 20 و30 في المائة من قيمة الإنتاج النهائي، وبالتالي فإن القيمة المضافة السنوية المتوقعة من التصنيع المحلي قد تتراوح بين 3.
7 و7.
5 مليار دولار، وتصبح صافية بعد احتساب الغاز بين 2.
95 و7.
1 مليار دولار في حالة الدعم، وبين 1.
2 و5.
9 مليار دولار في حال رفع الدعم.
وبما أن الناتج المحلي الإجمالي للجزائر لعام 2025 يقدر بحوالي 267 مليار دولار، فإن القيمة المضافة الصافية وحدها يمكن أن ترفع النمو السنوي بمقدار 0.
45 إلى 2.
7 في المائة، أما إذا أُضيف إليها أثر تقليص الواردات ورفع الصادرات (بما في ذلك توفير 1.
2- 1.
6 مليار دولار من الاستيراد، وعائدات تصديرية تقدر بين 9.
3 و13.
7 مليار دولار)، فإن الأثر الكلي على الناتج قد يصل إلى حوالي 5 إلى 8.
4 في المائة.
وبما أن النمو الرسمي لعام 2025 يقدر بنحو 4.
5 في المائة، فإن النمو الإجمالي قد يصل إلى ما بين 9.
5 و12.
9 في المائة سنويا في حال تحقق كل الافتراضات، وهو رقم يعكس إمكانات المشروع لكنه يبقى مرهونا بقدرة الاقتصاد على امتصاص الإنتاج، وكفاءة التصنيع، واستقرار أسعار الصلب والغاز.
لا يمكن النظر إلى منجم غار جبيلات كمجرد مشروع لاستخراج خام الحديد، بل كرافعة إستراتيجية لبناء قاعدة صناعية وطنية ثقيلة، وقاطرة لتحول هيكلي في الاقتصاد الجزائري نحو التصنيع، فالقيمة الحقيقية للمشروع لا تكمن في حجم الاحتياطي المنجمي فحسب لبيعه كخامات، وإنما في قدرته على توليد سلسلة صناعية متكاملة تمتد من الاستغلال المنجمي إلى التحويل الصناعي والتصنيع النهائي، بما يعزِّز القيمة المضافة المحلية ويحد من الاعتماد على تصدير المواد الأولية.
ويُعدُّ ربط النشاط المنجمي بالصناعات التحويلية (كالحديد والصلب، الصناعات الميكانيكية، والصناعات المعدنية) الشرط الأساسي لتحويل غار جبيلات إلى قطب صناعي فعلي، وفي هذا الإطار تصبح الوظائف نتاجا مباشرا لمنطق التصنيع، إذ إن كل حلقة صناعية جديدة تخلق طلبا متزايدا على اليد العاملة المؤهَّلة، والتكنولوجيا، والخدمات الصناعية، ما يعزز التكامل بين الإنتاج والتشغيل بدل الفصل بينهما.
ويمثل هذا التوجه نموذجا للتحول من اقتصاد ريعي قائم على تصدير الخامات إلى اقتصاد إنتاجي يعتمد على تعميق التصنيع، وتوطين التكنولوجيا، ورفع الكفاءة الصناعية، فالتجارب الدولية تُظهر أن الدول التي نجحت في استغلال مواردها المنجمية لم تحقق ذلك عبر التصدير الخام، بل من خلال بناء منظومات صناعية مرتبطة بالمنجم.
وفي البرازيل، تحوّل مشروع كاراجاسمن مجرد منجم حديد إلى محور صناعي متكامل بفضل الاستثمار في صناعة الصلب والبنية التحتية اللوجستية، ما أسهم في نشوء أقطاب صناعية ورفع مساهمة الصناعة الثقيلة في الناتج البرازيلي.
وفي أستراليا، شكلت منطقة بيلبارا نموذجا لربط التعدين بالصناعات الداعمة والخدمات الصناعية، مما خلق نظاما إنتاجيا متكاملا عالي الكفاءة، أما كوريا الجنوبية، فقد نجحت عبر مشروع بوسكو في تحويل استيراد المواد الخام إلى صناعة فولاذ متقدمة أصبحت أساسا للتصنيع الميكانيكي وبناء السفن.
وبذلك، يمكن اعتبار غار جبيلات مشروعا استراتيجيا لإطلاق مسار تصنيع وطني طويل الأمد، تكون فيه الوظائف ثمرة طبيعية لبناء اقتصاد إنتاجي قائم على الصناعة الثقيلة، والتكنولوجيا، والقيمة المضافة العالية، لا مجرد امتداد لنشاط منجمي تقليدي محدود الأثر.
يتعزز الدور التصنيعي لغار جبيلات بشكل أكبر من خلال تحويل محيطه إلى منطقة اقتصادية خاصة معدنية، تدارُ بإطار تشريعي ومؤسساتي مرن، يهدف إلى تسريع وتيرة التصنيع واستقطاب الاستثمارات النوعية، فإقامة منطقة اقتصادية خاصة تتيح توفير حوافز ضريبية وجمركية، وتسهيلات إدارية، وبنية تحتية صناعية متكاملة، بما يشجِّع المستثمرين المحليين والأجانب على إقامة مشاريع تحويلية متقدمة دون المساس بالسيادة الوطنية على الموارد.
والواقع الدولي يؤكد نجاعة هذا النموذج، إذ نجحت الصين في تحويل مناطق غنية بالموارد المعدنية إلى مناطق اقتصادية خاصة صناعية، مثل أنشان وشاندونغ، إذ جرى تطوير منظومات صناعية متكاملة تشمل التعدين، وصناعة الصلب، والصناعات المعدنية عالية القيمة، ما جعلها محركات رئيسية للتصنيع والنمو الاقتصادي.
كما اعتمدت الهند نموذج المناطق الصناعية المتكاملة في ولايتي أوديشا وجهارخاند، من خلال تطوير أقطاب صناعية للحديد والصلب مثل كالينغانار وبوكارو، مع توفير أطر قانونية واستثمارية محفِّزة ساهمت في جذب رؤوس الأموال وتوطين التقنيات الصناعية الحديثة.
وتُبرز هذه التجارب أن تحويل المناطق المنجمية إلى مناطق اقتصادية خاصة صناعية يُعدُّ خيارا استراتيجيا فعالا لتعميق التصنيع، وتوطين التكنولوجيا، ورفع القيمة المضافة، وتقليص الاعتماد على الواردات.
ومن هذا المنطلق، يمكن لغار جبيلات أن يشكل نموذجا وطنيا رائدا لمنطقة اقتصادية خاصة معدنية، تسهم في إعادة تشكيل الخريطة الصناعية للجزائر، وترسيخ اقتصاد إنتاجي تنافسي قائم على الصناعة الثقيلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك