لم نكن في حاجة إلى إماطة اللثام عن 3 ملايين وثيقة، مما يُعرف بـ”ملفات إبستين”، لنكتشف مدى قذارة الغرب وغرقه في الإباحية وتجاوزه كل الخطوط الحُمر الأخلاقية، فذلك أمرٌ معروف وشائع ويدرجه ضمن “الحريات الفردية” المقدَّسة عنده، وهو الذي ذهب حدّ إباحة الشذوذ وتقنين “زواج” المثليين.
لكنّ الملفات الضخمة التي شرعت وزارة العدل الأمريكية في الكشف عنها أخيرا، لا تتعلّق بممارسات إباحية معتادة في الغرب، ولا تجرِّمها قوانينُه، بل باستغلال الأطفال والقاصرات جنسيًّا، وهي جريمةٌ جنسية يعاقَب عليها مرتكبوها، كما أنّها لا تتعلّق بمتورِّطين عاديين كرجال الأعمال والفنانين فحسب، بل تتعلق أيضا بالعديد من رؤساء الدول والحكومات والسياسيين والدبلوماسيين الغربيين، الذين طالما صدّعوا رؤوسنا بالحديث عن “حقوق الطفل”، فإذا هم أولُ من يخرق هذه الحقوق باستعباد الأطفال والقاصرات اللواتي تتراوح أعمارُهن ما بين 9 سنوات و14 سنة، واستغلالهم جنسيًّا وبشكل جماعي أحيانًا، في واحدةٍ من أفظع الجرائم الجنسية في التاريخ.
في ملفات إبستين تبرز أسماءُ رؤساء أمريكيين يتقدّمهم الرئيس الحالي دونالد ترامب- الذي ينفي بشدّة أيّ تورُّط في الفضيحة- والرئيسُ الأسبق بيل كلينتون، والأمير أندرو، شقيق ملك بريطانيا تشارلز، ورئيس وزراء العدوّ الصهيوني الأسبق، إيهود باراك، الذي يُعتقد أنّه هو الذي أشار على الملياردير اليهودي الأمريكي جيفري إبستين بشراء هذه الجزيرة لبناء منتجع فخم وإنشاء شبكة لتجنيد الأطفال والقاصرات واستغلالهم جنسيًّا وتسجيل كلّ ما يقع فيها بكاميرات مخفيّة لتوريط الرؤساء والقادة من مختلف أنحاء العالم في ممارسات شاذّة وابتزازهم لاحقا، ما يكشف عمل “إبستين” لصالح الموساد، فهو صهيونيٌّ حتى النخاع ويؤمن بأن “فلسطين لا وجود لها تاريخيًّا”، وقد قدّم مرارًا تبرعاتٍ مالية لجيش الاحتلال وأخرى لبناء مستوطناتٍ بالضفة الغربية.
والملاحَظ، أنه لم يتابَع أيُّ سياسي متورِّط إلى حدّ الساعة أمام قضاء بلده على هذه الانتهاكات الأخلاقية الصارخة في حقّ الطفولة؛ مجلسُ النواب الأمريكي اكتفى باستدعاء الرئيس الأسبق بيل كلينتون وزوجته هيلاري إلى جلسة “استماع” إلى شهادتيهما، وملكُ بريطانيا تشارلز اكتفى بتجريد أخيه الأمير أندرو (65 سنة) من ألقابه الفاخرة، ورئيسُ وزرائه كير ستارمر اكتفى بتقديم اعتذار للقاصرات ضحايا سفيره السَّابق بالولايات المتحدة بيتر ماندلسون، وفرنسا اكتفت بدفع وزيرها الأسبق للثقافة جاك لانغ إلى الاستقالة من رئاسة معهد العالم العربي بباريس… لا أحدَ من كبار القادة والسياسيين توبع قضائيًّا في أي بلدٍ إلى الآن، وكأنَّ ما وقع هيّنٌ، أو أنَّ هؤلاء المسؤولين الرفيعين فوق القانون.
أمرٌ آخر لافت للانتباه في هذه الفضيحة العالمية المدوّية التي شملت أيضا مئات المشاهير في العالم يمثّلون نُخبا مالية وعلمية وفنية شهيرة، يتمثّل في السكوت المحيِّر لمنظمات حقوق الإنسان والطفل والمرأة وغيرها من المنظمات الحقوقية الدولية، وعدم إدانتها ما حدث من انتهاكات في حقّ الطفولة، وحتى في العالم الإسلامي لم تنبرِ أيُّ منظمة أو جمعية نسوية أو لحماية الطفولة للتنديد بالعبث جنسيًّا بالأطفال وإذلالهم وامتهان كرامتهم وسحقِ طفولتهم في جزيرة إبستين، وهو أمرٌ غريب، إذ طالما ندّدت هذه الجمعيات بزواج القاصرات في العالم الإسلامي وشنّت عليه حملاتٍ ضارية وانتقدته بقسوة وبتحامل كبير مع أنّ الدين لا يحرِّمه ويصون حقوق الزوجات القاصرات ويساويهنّ بالزوجات البالغات، فضلا عن كون ظاهرة زواج القاصرات تتراجع باستمرار بمرور الوقت وأصبحت نادرة، في حين سكتت هذه الجمعياتُ المشبوهة كلّيا عن استعباد أكثر من ألف قاصرةٍ وطفل، من مختلف دول العالم، في جزيرة “إبستين” وتدمير طفولتهم وانتهاك كرامتهم، ولم تُصدِر حتى بيان تنديد بما حدث، فما هذا النفاق والازدواجية في الخطاب؟ أليس هذا دليلا إضافيا على أن هذه الجمعيات التي تتاجر بـ”حقوق المرأة” و”حقوق الطفل” ليست سوى جزء من طابور خامس يخدم الأجندة الغربية، ويعادي كل ما ينتمي إلينا من دين وقيم وعادات وتقاليد؟يجدر الذكر أخيرًا أنّ فضيحة إبستين انفجرت في سنة 2005، لكنّها لم تُثر ما تستحقُّ من ضجّة، واكتفت أمريكا بالقبض على صاحبها سنة 2008 وسجنته مدة 18 شهرا فقط، ثم سجنته مجددا في 6 جويلية 2019 ووُجد ميّتا بزنزانته في ظروف غامضة في 10 أوت 2019، وقيل آنذاك إنه “انتحر”، وثارت شكوكٌ قويّة حول “انتحاره” المزعوم، ويُحتمل جدّا أن يكون الموساد قد صفّاه في السجن لطمس الفضيحة بعد أن وضع يده على الوثائق التي سيبتزّ بها رؤساء الدول وكبار السياسيين والدبلوماسيين العالميين المتورِّطين، وتوجيههم إلى خدمة مشاريع الاحتلال الصهيوني ودعمه والسكوت عن جرائمه، وهي إحدى الطرائق التي يوظّف بها اليهود “الأغيار”، أي غير اليهود، في العالم كلِّه لخدمة أجندتهم ومخططاتهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك