تمتلئ المؤسسات السودانية بالموظفين، لكنها تفتقر إلى الكفاءات؛ مشهدٌ مألوف استمرّ لأكثر من ثلاثة عقود، حتى في ظلّ الحرب التي تعصف اليوم بأقاليم غرب السودان.
خلف هذا الواقع أسباب سياسية واجتماعية متشابكة، غير أنّ أولى خطوات الفهم تبدأ بالتفريق بين الوساطة والمحسوبية.
فالوساطة تعني تدخّل شخص ذي نفوذ لمساعدة آخر في الحصول على وظيفة أو خدمة أو مقعد دراسي، بغضّ النظر عن الاستحقاق، بينما تقوم المحسوبية على تفضيل الأقارب أو المعارف في التعيين والترقية.
ورغم هذا الفرق، يشترك المفهومان في ضرب أسس العدالة وتقويض فرص التطوّر الاقتصادي.
ولم يكن السودان، شأنه شأن كثير من الدول النامية، استثناءً من ذلك.
منذ وصول نظام" الإنقاذ الوطني" بقيادة عمر البشير إلى السلطة، فُتح باب" المصلحة العامة"، فأُقصي عدد كبير من موظفي الخدمة المدنية، واستُبدلوا بعناصر موالية للحزب الحاكم، ليصبح الولاء السياسي أهم من الكفاءة المهنية.
ومع هذا التحوّل، غادرت كفاءات عديدة البلاد، وبدأ عهد جديد من الوساطات والمحاباة التي لا تستند إلا إلى الانتماء والولاء.
ثم جاءت ثورة ديسمبر حاملةً أملاً واسعاً في تصحيح المسار، غير أنّها سرعان ما أعادت إنتاج المشهد ذاته عبر" لجان التمكين"، التي سارت على نهج الإقصاء نفسه، وإن تغيّرت الأسماء واللافتات.
وهكذا استمرّت الحلقة المفرغة من المحاصصات السياسية والتعيينات المشبوهة.
واليوم، في خضمّ الحرب الأخيرة بين الجيش ومليشيا الدعم السريع، لم يتعلّم أحد من دروس الماضي.
فما زالت الترضيات السياسية والقرابة العائلية معياراً للتوظيف، فيما تحوّلت إعلانات الوظائف إلى غطاء شكلي لتبرير قرارات حُسمت سلفاً خلف الكواليس.
تُمنح الوظائف مسبقاً، وتُنشر الإعلانات فقط" لذرّ الرماد في العيون".
ما زالت الترضيات السياسية والقرابة العائلية معياراً للتوظيف، فيما تحوّلت إعلانات الوظائف إلى غطاء شكلي لتبرير قرارات حُسمت سلفاً خلف الكواليس.
وتبرز القطاعات السيادية والاقتصادية الكبرى، مثل وزارات الخارجية، والبترول، والكهرباء، والمالية، بوصفها مثالاً صارخاً على تغوّل التمكين السياسي والاجتماعي والأسري، على حساب الشباب المجتهد الذي لا يملك سوى شهادته الجامعية.
وهكذا يجد نفسه محاصراً في بلدٍ يصنع من الفشل بطالةً مقنّعة داخل مكاتب الدولة.
وتفاقم الوضع أكثر مع اتفاق جوبا للسلام، الذي خصّص نسباً من المناصب لإقليم دارفور، ما فتح باباً جديداً للجدل: هل من المنطقي إقصاء موظف كفء لإرضاء توازنات سياسية؟ سؤال لا يجد إجابة عادلة في واقع مثقل بالمحاصصات.
تُنتج المحسوبية ضعفاً هيكلياً ينعكس مباشرة على نمو الدولة وجودة خدماتها.
فغياب الكفاءات يعني غياب الرؤية في مشروعات البنية التحتية والطرق والبحث العلمي.
وكثير من" مراكز البحوث" في السودان لا يمتّ إلى البحث بصلة، فيما تحوّلت وزارات ومؤسسات إلى تركة تُورَّث داخل العائلات، وملاذٍ لمن جرى توظيفهم بقرارات مجاملة، يتقاضون رواتب بلا مردود حقيقي، في وقت يعاني أصحاب الكفاءة من البطالة أو الهجرة القسرية.
ومن منظور أخلاقي، تُعدّ الوساطة والمحسوبية شكلاً من أشكال الفساد والظلم، لأنها انتهاك صريح لحقوق الآخرين واستغلالٌ للنفوذ وإهدارٌ للفرص.
ورغم تعقيد الظاهرة وتجذّرها، يبقى تسليط الضوء عليها باستمرار خطوةً أولى نحو معالجتها تدريجياً، أملاً في أن تجد الأجيال القادمة دولةً تُكافئ الجدارة، لا الولاء والمحسوبية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك