تعتبر المنطقة الحدودية بين إيران وتركيا من أكثر المناطق الحدودية خضوعا للتدقيق في العالم.
في الأيام العادية تعبرها دوريات عسكرية تركية، وتراقب مسيرات تركية تحركات الزوار والتجار على جانبي الحدود.
اضافة اعلان.
أيضا، تم نصب أسوار من الأسلاك الشائكة ونقاط تفتيش في أجزاء منها، وتنتشر مواقع عسكرية تركية على طولها.
بعد اندلاع الاحتجاجات في إيران في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، ولا سيما بعد أن وعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمساعدة المتظاهرين، وسّعت تركيا بشكل كبير دورياتها على الحدود وعززت منظومة دفاعها وأعلنت بأنها ستنشئ منطقة منزوعة السلاح في الأراضي الإيرانية في حالة إسقاط النظام.
ما يشغل تركيا الآن هو موجة هجرة جماعية كبيرة من إيران إلى تركيا، وهو الأمر الذي حدث أثناء الحرب الأهلية في سورية، حيث لجأ أكثر من 4 ملايين لاجئ إلى تركيا، وما يزال معظمهم هناك رغم الاستقرار النسبي لنظام الشرع.
إضافة إلى ذلك، تعتبر إيران موردا رئيسا للغاز بالنسبة لتركيا.
وحسب الاتفاقية الموقعة بين الدولتين في 2001 التي من المقرر تجديدها في تموز (يوليو)، فإنه يمكن لتركيا شراء 9.
6 مليار متر مكعب من الغاز في السنة.
يصل النفط الإيراني أيضا إلى تركيا، ورغم العقوبات الأميركية التي تطبقها تركيا بالكامل، فقد باعت إيران لتركيا سلعا بمبلغ 5 مليارات دولار في السنة الماضية.
إن اندلاع حرب في إيران يمكن أن يعرقل مرور الغاز والنفط والسلع الأخرى، الأمر الذي قد يؤدي إلى تدفق اللاجئين إلى تركيا وفتح جبهة تركية – كردية جديدة على الحدود مع إيران، هو آخر شيء يريده أردوغان، وهو لن يلتزم الصمت.
إيران في الواقع فضلت أن تكون محادثاتها مع الولايات المتحدة في مسقط عاصمة عمان وليس في إسطنبول.
أردوغان وكل زعماء المنطقة لا يعرفون ماذا سيكون قرار ترامب.
ولكن الآن، أكثر من أي زعيم آخر، فإن الرئيس التركي يبدو كمن يقف على رأس جهود التنسيق الإقليمي من أجل وقف الحرب.
يوم الثلاثاء الماضي التقى في السعودية مع ولي العهد محمد بن سلمان، وفي اليوم التالي هبط في القاهرة، وفي يوم السبت استضاف في إسطنبول الملك عبدالله الثاني.
كما يبدو أن هذه كانت لقاءات عمل وقع فيها أردوغان على اتفاقات تجارية واستثمارية واسعة النطاق.
ففي السعودية تفاوض على بيع 100 – 200 طائرة شبح تركية من نوع" كآن" الموجودة قيد التطوير، بما في ذلك إمكانية الإنتاج المشترك والتعاون التكنولوجي العسكري، لا سيما كيفية تعامل الدولتين مع خطر نشوب حرب في إيران.
وفي مصر، التي أصبحت خلال سنتين أكبر شريكة تجارية لتركيا في أفريقيا، يتوقع أن تستثمر أنقرة 15 مليار دولار، وإقامة مصانع توفر فرص عمل لعشرات الآف المصريين، وتطوير تعاون إستراتيجي وسياسي، وربما عسكري بعد ذلك.
وليس من الصدفة أن وزراء الدفاع والخارجية والاقتصاد في تركيا شاركوا في الزيارة على رأس وفد ضم أكثر من 200 رجل أعمال تركي.
وفي حين تحاول إسرائيل بجهد منع القوات التركية من دخول قطاع غزة، فإن تركيا حاضرة بقوة في معظم أرجاء الشرق الأوسط.
ولا يخفى على أحد أنه قبل ثلاث سنوات فقط كانت تركيا تُعتبر خصما لمعظم دول المنطقة.
فقد هددت بقطع علاقاتها مع دولة الإمارات بسبب التوقيع على اتفاقات إبراهيم، وتوترت العلاقات بينها وبين مصر منذ العام 2013 عند عزل الرئيس السابق محمد مرسي الذي ينتمي لحركة الإخوان المسلمين، في حين كانت السعودية مستاءة جدا من تركيا بسبب مساعدتها الكبيرة لقطر في الأعوام 2012 – 2017، حيث كانت قطر تخضع لحصار اقتصادي فرضته السعودية.
المحور التركي – العربي لا يُعتبر تحالفا استراتيجيا شاملا مثل حلف شمال الأطلسي أو الاتحاد الأوروبي.
فكل دولة من الدول الأعضاء فيه لها مصالحها الخاصة، وهي لا تنضم لكتلة متماسكة قادرة على صياغة سياسة وإستراتيجية مشتركة في كل المجالات.
ولكن جميعها يوجد لها الآن مصلحة ملحة وهي وقف الحرب في إيران من خلال" كتلة نفوذ مانعة" ضد ما تعتبره نفوذا إسرائيليا خطيرا عليها وعلى كل المنطقة، في حين تشجع إسرائيل الحرب ضد إيران من خلال علاقتها الوثيقة مع ترامب.
ويتمثل الجهد الرئيس لهذه الدول في عرض مجموعة واسعة من التهديدات على الرئيس ترامب، حيث يجب الموازنة بين القدرات الصاروخية والنووية الإيرانية وبين العواقب الإقليمية والعالمية المتوقعة بسبب الحرب.
ومن وجهة نظرها فإن هذه العواقب تغيب عن الصورة التي تقدمها إسرائيل للوضع، وهكذا فإنها تجعل الرئيس الأميركي يركز على التهديد الإيراني لإسرائيل وتطمس الأخطار التي قد تضر بمصالح الولايات المتحدة.
دول هذه الكتلة تتمتع بحالة استثنائية ظهرت في السنوات الأخيرة، لأنه تربطها كلها علاقات سياسية مع إيران.
وتقيم الرياض وأبو ظبي والدوحة وأنقرة علاقات دبلوماسية كاملة مع طهران.
لقد أصبحت القاهرة عنوانا مهما للتقرب من إيران في السنة الماضية، وعلى النقيض من التجاهل الذي أظهرته مصر تجاهها في السابق، تحولت مبادرات إيران للتقرب منها الآن إلى علاقة غير رسمية أعطت فيها إيران للقاهرة شرف استضافة توقيع الاتفاق بين إيران وبين الوكالة الدولية للطاقة النووية (الذي لم يُنفَّذ حتى الآن).
في نفس الوقت تتراوح علاقات هذه الدول مع ترامب بين الود والتوتر.
ولا يخفى على إيران الأهمية الاستراتيجية لهذا التوازن في القوة.
ففي اجتماع المجلس الإستراتيجي الأعلى للعلاقات الخارجية، الذي عُقد في يوم الأحد الماضي، صرح رئيس المجلس كمال خرازي، وزير الخارجية السابق وأحد كبار مستشاري خامنئي الآن، وقال: " يجب أن تكون دول المنطقة على رأس أولويات إيران.
وهذه الأولوية تُطبَّق الآن، لكن لم يكن الأمر هكذا في السابق.
يجب علينا الاعتراف بأننا ارتكبنا أخطاء كبيرة في علاقاتنا مع الجيران".
وأشار خرازي إلى الطريقة التي سعت فيها إيران إلى تصدير الثورة الإسلامية، الأمر الذي" أثار تخوف بعض الدول الجارة".
ومن أقواله يمكن فهم أن إيران ينبغي لها أن تنظر إلى هذه الدول كجزء من غلاف الدفاع عنها، وأن تبدد مخاوف هذه الدول بشأن سلوكها في المنطقة.
ما زال مشكوكا فيه أن تقنع أقوال خرازي زعماء دول الخليج وتركيا ومصر بالنظر إلى إيران كدولة صديقة ومحبة للسلام.
ويتجلى هذا الأمر بشكل خاص في ضوء تهديدها بإلحاق الضرر بممرات الملاحة في الخليج الفارسي، ومهاجمة القواعد الأميركية التي يوجد بعضها في هذه الدول، بل وحتى الإضرار بها.
من جهة أخرى، تدرك إيران أن اعتمادها على قوى عظمى مثل الصين وروسيا لا يضمن أمنها.
وإذا كان هناك أي أمل في إزالة خطر الحرب عنها، فهو يكمن بالتحديد لدى جيرانها، وبنفس الأدوات المتاحة لدول المنطقة التي تقلق من تجدد الحرب.
المشكلة تكمن في أن توازن النفوذ المتبادل لم يُثمر حتى الآن أي نتائج ملموسة.
فقد فشلت دول الخليج وتركيا في منع الحرب في شهر حزيران (يونيو) الماضي، ولم تتمكن من وقف استعراض القوة الكبير الذي يستخدمه ترامب أمام إيران.
ويبدو حتى الآن أنها لم تقنع إيران بتقديم تنازلات يمكن أن تحيد خطر الحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك