شكلت العلاقة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال العقد الأخير محورا بارزا في تحولات المنطقة، فمنذ 2016 رافقت شراكتهما قرارات مفصلية مثل نقل السفارة إلى القدس، والاعتراف بسيادة الجولان، والانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، والاتفاقات الإبراهيمية.
ومع زيارة نتنياهو لواشنطن ولقائه المرتقب مع ترمب غدا الأربعاء، يواجه هذا التحالف اختبارا جديدا مع تعقد حسابات الملف الإيراني ومساعي واشنطن لـ" صفقة كبرى" مع طهران، بما يضع العلاقة بين خيارَي تكيف براغماتي جديد أو تصاعد التوتر.
list 1 of 2نتنياهو في واشنطن.
هل ينجح في استبدال “اتفاق مسقط” بالخيار العسكري؟list 2 of 2في سابقة.
حزب الله يقبل استقالة مسؤول أمني بارز.
وفي ما يلي، نستعرض المحطات الرئيسية التي شكلت علاقة الرجلين خلال عقد، من الانسجام المطلق والقرارات التاريخية، وصولا إلى تعقيدات اللحظة الراهنة وحسابات عام 2026.
2016 – 2020: " العصر الذهبي" وذروة التحالف.
في هذه الفترة صنعت صورة التحالف الأكبر بين ترمب ونتنياهو:
1.
الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.
• القرار التاريخي: في 6 ديسمبر/كانون الأول 2017، أعلن ترمب اعتراف بلاده بالقدس عاصمة لإسرائيل.
• التنفيذ العملي: في 18 مايو/أيار 2018، نقلت السفارة رسميا إلى القدس، في خطوة اعتبرتها تل أبيب كسرا لسياسة التردد الأمريكية.
• الاستثمار السياسي: ظهر قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل في الخطاب الإسرائيلي الرسمي والإعلامي بوصفه إنجازا مهما للحكومة للإسرائيلية، مع إبراز خاص للعلاقة الشخصية بين نتنياهو وترمب في سياق تفسير هذا التحول الأمريكي.
• الانسحاب من الاتفاق: خلال ولايته الأولى، أعلن ترمب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، متهما طهران بانتهاك روحه وبنوده.
• عودة العقوبات: أعقب الانسحابَ تجديد سلسلة من العقوبات الاقتصادية المشددة، أنهت عمليا أي قناة تفاوض مباشرة بين واشنطن وطهران.
• دور نتنياهو: قوبل انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي مع إيران بترحيب واضح من نتنياهو.
• القرار: في 25 مارس/آذار 2019 وقع ترمب قرارا يعترف بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل، بعد قوله إنه درسا سريعا في التاريخ قاده إلى هذا الموقف.
• الرد الإسرائيلي: أشاد نتنياهو بالقرار، وأكد في تصريحات لاحقة أن ترمب" نفذ كل تعهداته، سواء بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، أو فرض عقوبات صارمة على طهران، أو الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، والآن بسيادة إسرائيل على الجولان".
• موجة التطبيع: في النصف الثاني من عام 2020، أعلن عن سلسلة" الاتفاقات الإبراهيمية" لتطبيع العلاقات بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، في أول موجة تطبيع عربية علنية في القرن الـ21.
• الرواية الأمريكية الإسرائيلية: قدمت هذه الاتفاقات كإنجاز مشترك لترمب ونتنياهو.
خلال فترة قصيرة، انتقلت العلاقة بين ترمب ونتنياهو من مستوى التناغم الكامل إلى حالة من الجفاء والاتهامات.
لم يكن الخلاف على ملفات الحدود أو الأمن، بل على ما رآه ترمب جحودا من أقرب حلفائه.
1.
" تغريدة التهنئة": اللحظة التي كشفت الشرخ.
في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، وفي حين كان ترمب يرفض الإقرار بخسارته أمام جو بايدن ويطعن في نتائج الاقتراع، سارع نتنياهو إلى تهنئة بايدن برسالة مصورة وصفه فيها بأنه" صديق عظيم لإسرائيل".
• رد فعل ترمب: قرأ ترمب توقيت التهنئة باعتباره تخليا مبكرا عنه، خصوصا أن نتنياهو كان من أكثر المستفيدين من ولايته الأولى.
• الاقتباس الصادم: في مقابلة مع الصحفي الإسرائيلي باراك رافيد، عبر ترمب عن غضبه بجملته التي تصدرت العناوين: " كان مبكرا جدا.
لم أتحدث معه منذ ذلك الحين.
ليذهب للجحيم.
لقد أخطأ بيبي خطأ كبيرا".
لاحقا، ألمح ترمب إلى أن التوتر لم يبدأ فقط مع تهنئة بايدن، إذ تحدث عن خيبة أمله من موقف نتنياهو قبيل اغتيال قاسم سليماني عام 2020، وقال إن نتنياهو كان" من المفترض أن يشارك" في العملية ثم" تراجع في اللحظة الأخيرة"، معتبرا أن ذلك مثل خذلانا له.
3.
ما بعد 7 أكتوبر: " بيبي غير مستعد".
جاءت أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 لتزيد الفجوة اتساعا.
فبدل أن يكرر ترمب خطاب الدعم المطلق لنتنياهو كما في السابق، وجه إليه سلسلة انتقادات علنية:
• الفشل الاستخباري: قال ترمب إن نتنياهو" لم يكن مستعدا" لما جرى، منتقدا العجز عن منع الهجوم.
• تبدل النبرة: تحدث ترمب عن أن إسرائيل" تخسر حرب العلاقات العامة"، ودعاها إلى إنهاء العمليات بسرعة، مع تلميحات إلى الحاجة إلى قيادة جديدة في تل أبيب.
2025 – 2026: اختبار" الصفقة الكبرى".
بعد سنوات من التوتر، بدا أن اعتبارات المصالح الإستراتيجية أكبر من الخلافات الشخصية، فعاد ترمب إلى البيت الأبيض، في حين واصل نتنياهو معركته من أجل البقاء سياسيا، الأمر الذي دفع الطرفين إلى إعادة فتح قنوات التنسيق من جديد.
بدأ مسار ترميم العلاقة في يوليو/تموز 2024، عندما استقبل ترمب نتنياهو في منتجعه بفلوريدا، في لقاء أعاد ترتيب العلاقة الشخصية وفتح الباب أمام تعاون أوثق في الملفات الأمنية.
وبعد عام اتحد الطرفان ضد طهران، إذ شهد عام 2025 ذروة هذا التنسيق، مع تنفيذ ضربات أمريكية إسرائيلية منسقة ضد منشآت إيرانية حيوية، بما أعاد إنتاج صورة الشراكة العسكرية الوثيقة في مواجهة البرنامج النووي والنفوذ الإقليمي لطهران.
2.
فبراير/شباط 2026.
تباين" رجل الصفقات" و" رجل الأمن".
رغم استعادة مستوى عال من التعاون العسكري، تبدو زيارة نتنياهو الحالية لواشنطن (فبراير/شباط 2026) من أكثر المحطات تعقيدا، مع انتقال ثقل الدور الأمريكي من التصعيد الميداني إلى محاولات بلورة تسويات سياسية كبرى في المنطقة.
مفاوضات عمان: يقود ترمب حاليا قنوات دبلوماسية غير مباشرة مع طهران في مسقط، في إطار مسعى للتوصل إلى تفاهم جديد يخفف التوتر ويضع قيودا على البرنامج النووي.
ينظر نتنياهو إلى هذا المسار بتحفظ، خشية الوصول إلى" صفقة ناقصة" بعين تل أبيب تمنح إيران اعترافا إقليميا أوسع مقابل ترتيبات مؤقتة، دون معالجة كاملة للهواجس الإسرائيلية.
المشهد السوري الجديد: يراقب نتنياهو بحذر انفتاح إدارة ترمب على القيادة السورية الجديدة، وتخشى تل أبيب من ترتيبات قد ترسخ واقعا أمنيا وعسكريا لا يعجبها على حدودها الشمالية.
" مجلس السلام" في غزة: دفع ترمب بفكرة إنشاء" مجلس السلام" للإشراف على إعادة إعمار غزة بصيغة إقليمية-دولية، وهي رؤية تصطدم من حيث مبدئها مع مقاربة نتنياهو التي تشدد على أولوية" السيطرة الأمنية" الإسرائيلية وعدم ربط الترتيبات الميدانية بأي التزامات سياسية إضافية.
يدخل نتنياهو إلى البيت الأبيض اليوم مدركا أن ترمب 2026 ليس ترمب 2016، فالرئيس الأمريكي الحالي أكثر تركيزا على إبرام" صفقات تاريخية" تنهي أزمات مزمنة في المنطقة، وهو مسار قد يضع إسرائيل أمام استحقاقات وتنازلات ليست جميعها منسجمة مع حسابات نتنياهو الداخلية والأمنية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك