لم تكن الخصومات التي فرضت مؤخرا على حسابات عدد كبير من عملاء بنك الخرطوم تحت مسمى صندوق ضمان الودائع مجرد اجراء محاسبي عابر! !!
او خطوة تقنية يمكن تجاوزها بلا اثر.
بل كانت صدمة صريحة مست جوهر العلاقة التي تقوم بين المصرف ومودعيه.
تلك العلاقة التي لا يفترض ان تبنى الا على الثقة.
والوضوح.
والالتزام الصارم بالقانون.
فقد استيقظ الناس على اقتطاعات طالت اموالهم دون اخطار مسبق.
ودون شرح كاف.
ودون ان يقدم للرأي العام سند قانوني واضح يبرر هذا المساس المباشر بحق اصيل من حقوقهم المالية.
وسرعان ما تحولت الواقعة الى شان عام.
واثارت موجة واسعة من التساؤلات والغضب المشروع.
ليس بسبب قيمة المبالغ المخصومة في حد ذاتها.
وانما لان ما جرى لامس احساسا عميقا بانعدام الامان.
وفتح باب الشك في مصير الودائع.
وفي حدود السلطة التي يمكن ان يمارسها المصرف على اموال لا يملكها.
بل اؤتمن عليها.
ثم جاءت توجيهات بنك السودان المركزي.
ليبدا بنك الخرطوم في اعادة المبالغ المخصومة او الشروع في ذلك.
وقد وصلت بالفعل تحويلات لعدد من العملاء تعادل ما تم خصمه سابقا.
في مشهد ظاهره التصحيح وباطنه يطرح اسئلة اكثر حرجا مما يقدم اجابات.
فاعادة الاموال.
من حيث المبدأ.
لا تغلق الملف.
بل تؤكد انه كان مفتوحا على خطا جسيم.
اذ ان الاسترداد في مثل هذه الحالات لا يقرأ كمنحة او مبادرة حسن نية.
بل كاقرار ضمني بان ما حدث لم يكن مستندا الى اساس قانوني سليم.
وان الخصم قد وقع في غير موضعه.
وهنا يبرز السؤال الجوهري.
هل تصرف بنك الخرطوم بمعزل عن البنك المركزي.
في صورة يمكن ان تفهم بوصفها تمردا مؤسسيا على الجهة الرقابية العليا.
؟ ؟ام ان ما جرى يكشف عن خلل اخطر.
يتمثل في غياب التنسيق.
او ضعف الرقابة المسبقة.
او التساهل في تطبيق القواعد التي تحكم العمل المصرفي.
! !! ؟اما من الناحية القانونية البحتة.
فان مشروعية الخصومات تظل محل شك كبير ما لم تستند الى نص صريح.
ولائحة نافذة.
واخطار واضح ومسبق للعميل.
فالاصل في الودائع انها مصونة.
ولا يجوز المساس بها الا وفق اجراءات دقيقة ومعلومة.
لان اي تجاوز لهذا الاصل يهز الاساس الذي يقوم عليه النظام المصرفي برمته.
وحين يقدم بنك على الخصم اولا.
ثم يعتذر بالفعل لا بالقول.
عبر اعادة المبالغ لاحقا.
فانه لا يصلح فقط اثر فعل خاطئ.
بل يبعث برسالة غير مطمئنة مفادها ان اموال المودعين قد تكون عرضة للاجتهاد.
او الخطا.
او التجربة.
ومن هنا تبرز مسالة المحاسبة.
لا بوصفها رغبة في التشهير او التصعيد.
بل كضرورة قانونية واخلاقية.
فالمساءلة لا تتعلق ببنك الخرطوم وحده.
! !
بل تمتد الى الاطار الرقابي كله.
والى السؤال عمن يملك سلطة المنع قبل وقوع الخطا.
لا الاكتفاء بتصحيحه بعد ان يقع.
فبنك السودان المركزي.
بوصفه الجهة المنظمة والمشرفة.
مطالب اليوم بما هو اكثر من اصدار توجيه عابر.
بل ببيان واضح.
وتدقيق شفاف.
واجراءات تضمن عدم تكرار ما حدث.
لان طي الملف عند حدود اعادة الاموال فقط.
يعني فتح الباب واسعا امام سابقة خطيرة.
ان العمل المصرفي ليس لعبة ارقام ولا حركة سيولة صماء.
بل عقد ثقة بين المواطن والمؤسسة.
واي خدش في هذا العقد لا ينعكس على بنك واحد فحسب.
بل على شعور عام بالامان المالي.
وعلى صورة النظام المصرفي كله في اذهان الناس.
خاصة في ظرف اقتصادي هش.
يحتاج فيه المواطن الى الاطمئنان لا الى المفاجات.
لقد اعيدت الاموال.
نعم.
لكن الثقة التي تضررت لا تعاد بتحويلة.
ولا ترمم ببيان مقتضب.
الثقة تبنى بالوضوح.
وتحمي بالقانون.
وتصان حين تدرك المصارف ان ودائع الناس ليست موردا قابلا للاختبار.
ولا بندا يمكن الخصم منه ثم الاعتذار عنه لاحقا.
ففي الدول التي تحترم مواطنيها.
لا تدار اموال الناس بمنطق الامر الواقع.
ولا تختبر اعصابهم باجراءات مباغتة.
لان المال قد يسترد.
اما الاحساس بالامان.
فاذا انكسر.
فان اصلاحه يحتاج الى ما هو اكثر من رد المبالغ.
يحتاج الى محاسبة.
وضمانات.
واحترام لا يقبل الخصم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك