العربي الجديد - اجتماع كردي لاختيار مرشح لرئاسة العراق. العربي الجديد - الحرب على غزة | إصابة طفل في خانيونس وخطة أميركية لنزع سلاح "حماس" قناه الحدث - لدعم الأمن والاستقرار.. قوات عسكرية مصرية إلى الصومال العربية نت - السعودية: انخفاض وفيات الحوادث 60% وارتفاع متوسط العمر إلى 79.7 عام الجزيرة نت - عبر 5 قارات.. هكذا استغل لوفوغل التعليم لاصطياد أطفال طوال 50 عاما وكالة سبوتنيك - علماء روس يطورون علاجا خلويا جديدا لمواجهة سرطان الجلد وكالة شينخوا الصينية - مقالة خاصة: مهنة جديدة في عصر الذكاء الاصطناعي.. مدرب الروبوتات الذي يعلمها كيف تتصرف كالبشر الجزيرة نت - توقعات بممارسة نتنياهو ضغوطا على ترمب بشأن إيران خلال لقائهما اليوم القدس العربي - الأرباح الفصلية لسيمنس للطاقة تزيد إلى 3 أمثالها بدعم من طلب الذكاء الاصطناعي العربية نت - نمو مخزون الشركات في أميركا بأقل من التوقعات
عامة

«البربرية الثقافية» لـ فاضل السلطاني: ماذا بقي من الحداثة؟

القدس العربي
القدس العربي منذ 13 ساعة

يضعنا الشاعر فاضل السلطاني إزاء فاعلية القراءة بوصفها موّجها معرفيا، ودافعا لمقاربة إجرائية النص، عبر التحريض على الكشف عن الغائب، وعن المعنى والفكرة، إذ يتموضع هذا النص بوصفه مجالا لحوار الأفكار، أو ...

ملخص مرصد
يتناول كتاب «البربرية الثقافية» للشاعر فاضل السلطاني نقد الحداثة والعولمة والشعبوية، ويستكشف تداعيات الانهيار الثقافي والأخلاقي في العالم المعاصر. يربط السلطاني بين التقنية والأيديولوجيا كمصدرين للعنف والاغتراب، ويدعو إلى استعادة الوظيفة النقدية للأدب في مواجهة البربرية الثقافية.
  • ينتقد السلطاني الحداثة والعولمة والشعبوية كمظاهر للبربرية الثقافية.
  • يربط بين التقنية والأيديولوجيا كمصدرين للعنف والاغتراب.
  • يدعو إلى استعادة الوظيفة النقدية للأدب في مواجهة الانهيار الثقافي.
من: فاضل السلطاني متى: 2025

يضعنا الشاعر فاضل السلطاني إزاء فاعلية القراءة بوصفها موّجها معرفيا، ودافعا لمقاربة إجرائية النص، عبر التحريض على الكشف عن الغائب، وعن المعنى والفكرة، إذ يتموضع هذا النص بوصفه مجالا لحوار الأفكار، أو بوصفه مجسّا، يمارس عبره المؤلف وظيفة الأركيولوجي، حيث الحفر في المتواري، وحيث استفزاز الواضح المُقنّع بالعنف والفوضى و»البربرية الثقافية».

في كتابه «البربرية الثقافية.

وقائع الانهيار» الصادر عن دار» خطوط وظلال»/ عمّان/ 2025 يندفع السلطاني إلى توصيف الكتاب بوصفه «جامع نصوص» يتوزع بين المساءلة، والنقد الإجرائي والثقافي، ليطل السلطاني من خلال «بربرية الثقافة» متقصيا عمّا يتداعى من «وقائع الانهيار»، حيث يحضر المثقف بوصفه الرائي والمراقِب والقارئ، وبغاية التعرّف على البربرية، كونها ممارسة في التوحش والعنف، وفي الطرد العشوائي، وفي تقويض المفاهيم، والدفع باتجاه تشظي أسئلة العقل النقدي إزاء مركزيات النظام العالمي، والعولمة والشعبوية، وإزاء «الخراب» الذي تحوّل إلى كابوس، أو فيروس، أو إرهاب، وعلى نحوٍ بدا فيه السؤال الفلسفي وكأنه كوميديا سوداء، وأن برابرة الثقافة باتوا أكثر تهديدا لـ»أسطورة روما» ولحصون العقل والحداثة والتنوير.

يتجاوز السلطاني في كتابه الجامع مرجعيات «اليساري القديم» إلى حيوية القارئ الفاعل، فيجد في تعرية «البربرية» رهانا مفتوحا، على وعي قلق، وعلى تمثيل حاد للوجود، ولحيازة المعنى ومواجهة الخوف، واستدعاء «السؤال النقدي» بوصفه سؤالا إشكاليا بالفقد، وشغفا بهواجس الرومانسي والثوري، وهو يحلم باستدعاء سرديات الحرية والحب والعدالة، فبقدر ما يكتب السلطاني عن «بربرية التقنية» وهوسها في صناعة «الاغتراب الجديد» فإنه يرتقي بالكتابة إلى مستوى ربط هذه البربرية بنقد الغرب والعولمة والحداثة بوصفها وسائط في تمثيل الهيمنة، وفي التعبير عن خطابات القوة والعنف والعطب الوجودي، وباتجاهٍ تبدو فيه الكتابة وكأنها إشهار نقدي لفضائح ما تصنعه «الليبرالية الجديدة» من مركزيات، ومن انهيارات أخلاقية وقيمية، ومن أزمات تهدد المصائر البشرية، وتعيد الإنسان إلى «أساطير» بحثه عن المعنى، وعن الذات التي فقدت قدرتها على ممارسة وعيها الظاهراتي إزاء «المكوث» الهيدغري في المكان، وفي اللغة.

رهاب «التقنية» هو ذاته رهاب الأيديولوجيا، حيث يبدو تلازمهما مسكونا بالعنف والتوحش، وبالفقد، وعلى نحوٍ تكون فيه «الحضارة» أمام تحديات فارقة، وأمام تشظٍ وجودي في عالم لا تسنده الشركات العابرة للقارات، والأسواق الباذخة وأنماط الاستهلاك، إذ يكون أمام «مأزق» وجودي، هو ذاته مأزق الإنسان المعاصر، بوصفه الأخلاقي والإنساني، مُهدَدا بالمحو والغياب ونسيان الكينونة، فلا بوصلة له سوى اللامكان، واللامعنى والاغتراب الذي يأخذه إلى العزل، وإلى صراع فاجع مع المعنى، ومع ما تصنعه تلك «البربرية الثقافية» من أوهام، ومن أدلجات زائفة ومضللة، ومن تفاهة تسحب الكائن إلى الشعبوية والاستهلاك، وإلى الفراغ.

مقاربة «الشعبوية» كصيغة للعطب الثقافي يضعها السلطاني قرينة بسؤاله الثقافي، وبهاجسه النقدي، على مستوى ما تصنعه من ظواهر طاردة في السياسة والإعلام والثقافة، وعلى مستوى ما تفخخه من أفكار، ومن إيحاءات، تتغول فيها الغرائز، والخوف من المستقبل، ومن العودة إلى «القبائلية»، حيث ينكشف على تقوّض مفاهيم الحداثة والتنوير والتقدم، وعلى يبوسة الواقع السياسي، وعلى ما يتسلل إليه من أمراض، ومن فيروسات قد تصنعها المختبرات، أو مطابخ السياسة، وتحت يافطة إعادة إنتاج «المركزية الغربية» التي تتضخم عبر العسكرة وزيادة الإنفاق العسكري، مع صعود اليمين المتطرف والعنصري في أوروبا وأمريكا، فضلا عن تداعيات اتفاقية «بريكست» التي انسحبت بموجبها بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والمجموعة الأوروبية للطاقة.

معالجة السلطاني لهذه الظواهر ليست بعيدة عن مشغله النقدي، ولا عن هواجسه وهو يرقب صدمة العالم، واهتزاز قيمه، واندفاعه إلى استغواء العنف والطغيان، وعبر استعادة رموز عنصرية مثل، هتلر ونتنياهو، وباتجاهٍ يجعلها محكومة بعوامل إكراهية ضاغطة، تدفعه إلى ما يشبه الرهان الأسطوري على صناعة «روما جديدة»، حيث يتسع وهم القوة، وحمى الكراهية، وحيث الهوس بالتفوّق على الآخر، والبحث عن تاريخٍ مضاد، وخلودٍ خادع، له شهوة استدعاء عشبة القوة المُضلِلة، عبر التكنولوجيا التي تزيد الإنسان اغترابا، وتقوّض حساسيته إزاء ذاكرة الأنوار والفلسفة والعلوم ورومانسيات بليك وشللي ووردزورث وكوليردج وغيرهم.

يمكن لكتاب السلطاني أو لمقالاته، التي انتظمت في وحدة عضوية، أن تكون جزءا من مشروع يجمع بين النقد الثقافي، والنقد التاريخي، فالحوارات الثقافية التي فتحها مع كتابات ييتس وإليوت وجويس وكافكا، كشفت عن علاقة حمولات هذه الكتابات براهنية الواقع الذي يعيشه، لاسيما في قراءاته لقصيدة ييتس «المجيء الثاني»، وقصيدة «الأرض اليباب» لإليوت، إذ بدت هذه القصائد وكأنها استعادة للحديث عن فكرة المصير، في عالم شاحب يواجه تحديات وجودية كبرى، تتقوّض فيها الحقائق إزاء متغيرات الواقع، وإزاء العنف الذي زاوج بين رهاب الحرب العالمية الأولى، وأزمة الوجود الفاجع، فيتحول الاغتراب إلى فقد، والعنف إلى إحساس طاغ بالموت، وعلى نحوٍ تتناظر فيه اللغة الشعرية، من خلال استعاراتها وطقوسها وحساسيتها مع عصر التفاهة، حيث رثاثة الوصول إلى «الحقيقة»، وحيث فرض المركزية هوسها بالتضليل، والغياب والسحق الوجودي.

المفارقة الثقافية والربيع العربي.

لم يغفل كتاب السلطاني عن مقاربته للواقع العربي، بوصفه جزءا من تمثيل ظاهرة «البربرية الثقافية»، ومن علاقة «الربيع العربي» بهذه البربرية وبغموض أسئلتها، وتمثلاتها عبر رصد يوميات الشارع العربي المتخم بالأزمات، والأوهام والشعبويات التي تشوه معها «الحلم الثوري»، حتى باتت النتائج وكأنها تعرية لما هو غاطس في اللاوعي العربي، وفي بناه العميقة، حيث التفجّر الميثولوجي، وحيث صعود «الإسلام السياسي» عبر جماعات العنف والتطرف والإرهاب، وحيث «فشل اليسار العربي» في أن يستعيد فاعليته النقدية، فبدا ذلك «الربيع» مسكونا بحكاية الدم ومغازيه، وإعادة إنتاج قيم المركزية النصوصية، في سياقها الطقوسي والنقلي، وباتجاه جعلها أكثر تهديدا للحقوق المدنية والحريات العامة، فضلا عن تعويمها الاستلابي لمفاهيم الدولة الأمة والمستقبل والتاريخ والمؤسسة والجندر والجماعة وعلم الكلام.

معطيات «الربيع العربي» بدت أكثر قمعا من خلال الرهان على «مكر التاريخ»، كما يقول السلطاني، إذ ظل هذا التاريخ مسكونا بأشباح الماضي، وبشغف المماثلة وبصلادة «الثابت» الذي يرفض الاجتهاد والتأويل، والمغايرة والاختلاف، وعلى نحوٍ جعل البلاد العربية، أكثر عرضة للهزات الداخلية، وللانقسام المجتمعي، والاستعداد للدخول في حروب أهلية، كشفت عن تشوهات التاريخ والهوية، وعن الهشاشة في مواجهة عالم «ما بعد الحداثة» في تشظياته الأيديولوجية والثقافية.

صدمة المفارقة التي عاشتها «الذات العربية»، أبعدتها عن مناقضة قضايا التنوير، والحقوق والحريات، قبالة اقترابها من أزمات مفهومية للمنفى والعلاقة مع الآخر، وللتماهي مع تضخم صور «الهويات القاتلة والمقتولة» بتوصيف أمين معلوف، حيث جعلها النكوص العصابي مهووسة بالارتياب إزاء ما سماه «أسئلة التنوير المقلوبة»، والتغافل عن مقاربة أي تغيير حقيقي يعيده إلى مركزية الإنتاج الثقافي، وإلى القدرة على مواجهة «أوهام الاستشراق» والتعالي الثقافي، والرهاب السايكوباثي للمركزية الغربية.

في قراءة مقالات «محور الأدب»، تبدت أمامنا نماذج متعالية، كشف فيها السلطاني عن فاعلية الأدب في التجاوز، وفي مواجهة زيف الأيديولوجيا، فعبر نماذج اختارها بعناية، أوضح السلطاني أهمية الممارسة الأدبية في تقديم شهادة عن الوجود، وعن المعنى، وعن الملاحم التي يصنعها الإنسان في تحديه للمصير والقدر، كما في روايات دوستوفسكي، وفي كتابة سرديات موازية للتاريخ، كما في روايات تولستوي، أو في مواجهة الاستلاب الداخلي كما عند كافكا، أو في مواجهة الاستبداد والرعب الفكري كما عند جورج أورويل.

لا أحسب أن استعادة هذه النماذج دخول إلى منطقة نقدية مجردة، بل كانت محاولة ثقافية لاستعادة المعنى إزاء الرثاثة، والحضور إزاء الغياب، والحب إزاء الكراهية، وهو ما يدعو إلى تأصيل الثقافي ليكون تمثيلا لسعةِ الصدِّ المعرفي، إزاء النسيان والمحو والانحسار والضيق الذي يعيشه الإنسان المعاصر، المقموع والمُخدّر والمنسي، والواقف عند جحيم «الرأسمالية» ومتاهتها، وعلى نحوٍ يدفعه إلى كثير من النقائض، وإلى العزلة، بعيدا عن رغبته في استعادة لذائذ الإشباع الرمزي، والمتعة الجمالية التي صنعتها القصيدة والرواية والملحمة والأسطورة بوصفها تمثلات للوجود الإنساني، ولقوة ما يمكن أن تصنعه المعرفة من أسئلة وعلامات.

تناولت مقالات هذا الكتاب قضايا صادمة، ليس في تاريخيتها، بل في انعكاسها على «شعوبنا وبلداننا وأدبنا وفننا»، كما ورد في تقديم الكتاب، لكنها بلا شك كانت أكثر فاعلية في تمثيل الممارسة الثقافية، والمساءلة النقدية التي حاول من خلالها السلطاني تقديم تصورات ثقافية عن أزمات الغرب، في السياسة والاجتماع والتاريخ، وفي تداعيات الاغتراب والبربرية التي ربطها ماركس بتأخر الرأسمالية في التحول.

فأعادنا السلطاني إلى حيوية ملاحقة الفكرة الغائبة، وإلى «الحس الأخلاقي» وإلى التماهي مع الوظيفة القديمة، والمهملة للأدب، حيث صناعة الجمالي والمعرفي، وحيث مواجهة القبح الذي تصنعه مؤسسات وأدلجات، وجدت في رهان «نسيان الكينونة» دافعا لصناعة الكائن المنسي والتائه في دوستوبيا العالم.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك