أعلن وزير الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري الجزائري ياسين المهدي وليد، عن تخصيص 100 ألف شجرة أركان للغرس، في إطار الحملة الوطنية الكبرى للتشجير المرتقبة يوم 14 فبراير الجاري، في خطوة واضحة لمنافسة المغرب، حيث تعتبر هذه الشجرة موطنها الأصلي وتشتهر دوليا بإنتاج زيت أرگان، أحد أغلى الزيوت في العالم.
من سوء حظ أصحاب مشروع «الـ100 ألف شجرة» أن شجرة أرگان (Argania spinosa) هي كائن «وطني» بامتياز؛ فهي لا تمنح ذهبها السائل إلا لمن يفهم لغتها فوق تربة المغرب، وتحديدا في مناطق سوس (أكادير، تارودانت، تزنيت)، وحاحا (نواحي الصويرة)، ومناطق آيت بعمران وسيدي إفني، وصولا إلى كلميم والأطلس الصغير.
ورغم أن دولا تمتلك مختبرات متطورة مثل إسرائيل، التي استحدثت صنف «أرگان 100»، أو أستراليا والمكسيك والولايات المتحدة، قد حاولت ترويض هذه الشجرة، إلا أن النتائج ظلت مجرد «محاكاة باهتة» تفتقر للروح والجودة والتركيبة الكيميائية الفريدة التي لا تتوفر إلا في المحمية المغربية المصنفة من طرف «اليونسكو» منذ عام 1998.
لا يمكن قراءة هذه الخطوة بعيدا عن حالة «السعار الثقافي» التي أصابت حكام الجارة الشرقية، والتي تجاوزت حدود الغيرة لتصل إلى مرحلة الهوس المرضي بكل ما يحمل ختم «صنع في المغرب».
ففي قصر المرادية، يبدو أن هناك لجنة «يقظة تراثية» مهمتها الوحيدة هي مراقبة قائمة اليونسكو؛ فحين سجل المغرب القفطان، نبتت فجأة مطالبات بملكيته في تلمسان، ولما احتفى العالم بالزليج الفاسي، ظهرت القمصان الرياضية المخطوفة، بل وحتى عروض الفروسية «التبوريدة» لم تسلم من محاولات التزوير.
هذا الاندفاع نحو تملك أرگان هو محاولة بائسة لملء «ثقب أسود» في الهوية عبر السطو على منجزات جار يمتلك ما لا يُشترى بالنفط والغاز: الجذور الراسخة والشرعية التاريخية.
إنها محاولة لسرقة «الروح المغربية» ووضعها في قوارير بلاستيكية، متناسين أن أرگان شجرة تأبى أن تنمو في بيئة يحركها الحقد لا العناية.
صراع بين «الأصل» و«النسخة المشوهة».
المفارقة المضحكة في المخطط الجزائري تكمن في الاعتقاد بأن منافسة المغرب في إنتاج أغلى الزيوت عالميا تبدأ بماراثون تشجير عشوائي.
فأرگان ليس مجرد ثمرة، بل هو «نظام بيئي وثقافي متكامل» تطور عبر ملايين السنين، وارتبط بمهارات يدوية ومعارف تقليدية أدرجتها اليونسكو ضمن التراث اللامادي للبشرية عام 2014.
وبينما يتحدث الوزير عن «دعم التنوع البيولوجي»، يتناسى أن أرگان شجرة «متمردة»؛ فهي تحتاج لنوع خاص من التفاعل مع المحيط، ولا تقبل العيش في بيئات مصطنعة.
إن محاولة الجزائر غرس أرگان في ولايات مختلفة تشبه محاولة زراعة النخيل في القطب الشمالي؛ قد تنمو الشجرة، لكنها أبدا لن تجود بـ«الذهب السائل» الذي صار ماركة مسجلة باسم المملكة المغربية وشعارا ليوم عالمي أقره العالم في 10 ماي من كل سنة اعترافا بخصوصية المغرب.
وهكذا، وبعدما طالت أصابع الاستنساخ القفطان والزليج وحتى طبق الكسكس وزيت الأرگان، يطرح هذا السؤال نفسه بمرارة ساخرة: ما هو المكون القادم في قائمة «المسروقات» الثقافية للجارة الشرقية؟يبدو أن الاكتفاء بمراقبة التألق المغربي لم يعد يشفي غليل «هوس التملك» لدى حكام الجزائر، فقرروا أن يعيشوا أمجاد المملكة بـ«الوكالة»، ولو عبر شتلات يائسة محكوم عليها بالذبول قبل الأوان؛ فهي تفتقد لهواء الأطلسي ونسمات سوس، ولا تملك في عروقها تلك «التمغربيت» التي تجعل من الأرگان شجرة لا تخون موطنها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك