دمشق – يعاني السوريون منذ سنوات من تدهور حاد في خدمات الاتصال، يتمثل في ضعف الجودة وارتفاع الأسعار بما يفوق القدرة المعيشية لغالبية السكان، غير أن الحكومة التي جاءت بعد سقوط نظام بشار الأسد تتعهد بأن يتغير الوضع بعد تنفيذ مشروع" سيلك لينك" الخاص بالإنترنت والاتصالات.
ويرتبط الواقع السيئ بتداعيات الحرب الطاحنة التي طالت البنية التحتية لقطاع الاتصالات في سوريا، إلى جانب غياب التطوير والاستثمار الكافي وارتفاع تكاليف التشغيل، ما جعل خدمات الاتصال عبئا إضافيا، بدل أن تكون رافدا تنمويا داعما للاقتصاد السوري وحياة المواطنين.
في هذا السياق، بدأت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات السورية في مايو/أيار 2025 استقطاب استثمارات خليجية لتنفيذ مشروع" سيلك لينك" الواسع النطاق، الذي يهدف إلى تحديث العمود الفقري الوطني لشبكة الإنترنت والاتصالات، وإنشاء مسارات ربط دولية عالية السعة تمر عبر الأراضي السورية.
وفي السابع من فبراير/شباط الجاري، وقعت اتفاقية البنية التحتية للاتصالات بين الوزارة وشركة الاتصالات السعودية" إس تي سي" (STC) لتطوير المشروع وتنفيذه، بعد عملية تنافسية متعددة المراحل، جرت بإشراف مستشارين دوليين وخبراء في قطاع الاتصالات.
وتقدر الاستثمارات المرتبطة بالمشروع بنحو 900 مليون دولار، ضمن إطار استثماري طويل الأمد بترخيص يمتد 15 عاما مع خيار التمديد، بما يضمن الجدوى والاستدامة التشغيلية.
واستعانت الوزارة في إعداد المشروع بشركتي" آرثر د.
ليتل" للدعم الإستراتيجي والتحليلي وتصميم الحوكمة، و" دي إل آي بيبر" للمراجعة القانونية المستقلة، وتحديد المخاطر التنظيمية والتعاقدية وآليات الحد منها.
وتتضمن مرحلة ما بعد التوقيع تأسيس شركة تشغيل مشتركة، واستكمال التراخيص والتصاريح، وإجراء المسوحات الميدانية للمسارات والمواقع، وتجهيز مقاولي التنفيذ والموردين، إضافة إلى بناء هيكل إدارة المشروع ومؤشرات الأداء تمهيدًا لبدء التنفيذ الفعلي.
وتشمل الأطراف الرئيسية للاتفاقية وزارة الاتصالات المشرفة على السياسات العامة، والهيئة الناظمة للاتصالات والبريد (جهة الترخيص والرقابة)، إلى جانب شركة تشغيل مشتركة بين" إس تي سي" والصندوق السيادي السوري كشريك محلي إستراتيجي، مع ضمان الحفاظ على الحقوق السيادية للدولة السورية.
وبحسب الاتفاق، تتمتع الشركة المشغلة بحق حصري لتوريد السعات لمدة 7.
5 سنوات بسعر الكلفة مع سقف زيادة محدد، من دون البيع المباشر للمستخدمين، فيما تنتقل ملكية البنية التحتية إلى الدولة فور إنشائها، مع احتفاظ الشركة بحق الانتفاع الاقتصادي طيلة مدة الترخيص.
كما يجري تقاسم صافي إيرادات العبور الدولي بنسب تصاعدية تبدأ من 7.
5% في السنوات الـ3 الأولى، وتصل إلى 20% لاحقا، إضافة إلى رسوم تنظيمية ومساهمة في صندوق الخدمة الشاملة بنسبة 1.
5%.
يؤكد مسؤول في المكتب الإعلامي لوزارة الاتصالات، في تصريحات للجزيرة نت، أن المشروع يركز على تطوير شبكة الألياف الضوئية الوطنية والربط الدولي، وتحديث شبكات الهاتف المحمول، بما يشمل خدمات الجيل الرابع (4G) والتحضير التدريجي لنشر الجيل الخامس (5G)، إلى جانب إنشاء مراكز بيانات وتطوير الخدمات السحابية بوصفها أساس التحول الرقمي والحوكمة الإلكترونية وعاملًا لتحقيق عوائد اقتصادية مستدامة.
ويعزو المصدر تراجع جودة الاتصالات إلى إرث طويل من الإهمال، وتقادم الشبكات والدمار الواسع، والضغط المتزايد على البنية الحالية، متوقعا تحسنا تدريجيا مع بدء تنفيذ مشروع" سيلك لينك".
وأشار المصدر نفسه إلى أن دخول الاستثمارات لا يعني تلقائيا خفض الأسعار، إذ تخضع التعريفات لسياسات تنظيمية تراعي البعد الاجتماعي، بينما يُنتظر تحقيق توازن أفضل بين السعر وجودة الخدمة على المدى المتوسط، مع تحسن الكفاءة وزيادة المنافسة.
كان تعديل تعريفات الباقات نهاية العام الماضي قد أثار جدلا واسعا، بعدما وصل سعر بعض الباقات إلى نحو 300 ألف ليرة (26 دولارا)، وسط انتقادات لعدم تناسب الأسعار مع متوسط الدخل وجودة الخدمة.
وانعكس ذلك سلبا على شرائح واسعة، خاصة الطلاب والعاملين عبر الإنترنت.
وتقول هند، وهي مبرمجة من دمشق تعمل مع شركة برمجيات سعودية، إن ارتفاع الأسعار دون تحسن الجودة كان" صدمة حقيقية"، مضيفة أنها تضطر أحيانا للبحث عن إشارة شبكة لإرسال رسالة بسيطة، خصوصا مع انقطاع الكهرباء وضعف التغطية.
وتشير البيانات إلى أن متوسط سرعة الإنترنت في سوريا لا يتجاوز 3.
31 ميغابايت في الثانية، وهو من الأدنى إقليميا، ما يعكس حجم التراجع في البنية التحتية.
كما تُقدَّر خسائر القطاع منذ عام 2011 بنحو 500 مليون دولار، مع تضرر قرابة 60% من الشبكات والمقاسم الهاتفية، في ظل استمرار احتكار السوق من قبل شركتي" سيريتل" و" إم تي إن"، ومنع دخول شركات مشغلة جديدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك