في وقت يتزايد فيه حضور الأفلام القصيرة على الساحة الفنية، ترى الفنانة الأردنية القديرة شفيقة الطل أن هذا الشكل السينمائي بات اليوم من أكثر المساحات قدرة على تقديم محتوى مكثف وعميق، شرط أن ينجز بوعي ورؤية فنية واضحة، بعيداً عن الاستسهال أو اللهاث خلف كثرة الإنتاج.
وتؤكد أن الفيلم القصير، رغم محدودية زمنه، قادر على ملامسة قضايا إنسانية واجتماعية جوهرية بصدق وجرأة، إذا ما تأسس على فكرة متماسكة ومضمون حقيقي، لا على مجرد الرغبة في الظهور أو المشاركة في المهرجانات، مشيرة إلى أن القيمة الفنية لا تقاس بطول العمل، بل بما يتركه من أثر ومعنى في وعي المتلقي.
اضافة اعلان.
ومن هذا المنطلق، تنتقل الطل إلى قراءة أوسع للمشهد الفني الراهن، معتبرة أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في شكل العمل الفني أو مدته، بل في محتواه.
فالمتابع، بحسبها، يلمس حالة واضحة من التضخم في عدد الإنتاجات مقابل تراجع ملحوظ في النوعية، حيث بات التركيز منصباً على الكم لا على الكيف، وعلى كثرة الأعمال أكثر من عمق مضامينها.
وترى أن هذا النهج أضعف جوهر الفن، وجعل كثيراً من الأعمال تفتقر إلى الرسالة والصدق، وأسهم في خلق حالة من الانفصال بين الفن والمجتمع.
وتشدد الطل، في حديثها لـ" الغد"، على أن جودة المحتوى الدرامي أو السينمائي يجب أن تبقى المعيار الأول لأي عمل فني، وأن الإسهاب في الإنتاج لا ينبغي أن يكون على حساب الفكرة أو القيمة الفنية، بل يفترض أن يسهم في إثراء القضايا التي تمس المجتمع، مع ضرورة مراعاة وعي المتلقي واحترامه، كونه الهدف الأساسي من هذه الأعمال.
وتحذر من الاستعجال في إنتاج الأعمال، مؤكدة أن ذلك يخلط الغث بالسمين، ويقود إلى تقديم أعمال سطحية تفتقر إلى النضج والرؤية ولا تحقق الهدف المرجو منها.
وتلفت الطل إلى أن أي عمل فني لا بد أن يمر بمخاض فكري واضح قبل تنفيذه، حتى يصل إلى هدفه ويقدم بالصورة المطلوبة وبمستوى يستفيد منه المشاهد.
كما تشير إلى أن الأخطاء الفنية، مهما بدت بسيطة، تفقد العمل مصداقيته وتخلق فجوة كبيرة بينه وبين المتلقي، ما ينعكس سلباً على تأثيره وانتشاره.
وعن مشاركاتها في الأعمال الدرامية التلفزيونية، تؤكد الطل أن حضورها على الشاشة الصغيرة لم يكن يوماً مرتبطاً بعدد الأعمال التي شاركت فيها، بل بمدى انسجامها مع قناعتها الفنية.
وترى أن الدراما التلفزيونية، بحكم انتشارها الواسع، تشكل مسؤولية مضاعفة، لأنها تدخل كل بيت وتؤثر مباشرة في الوعي الجمعي، ما يستوجب أن تكون الأعمال المقدمة عبرها مدروسة وتحمل رسالة واضحة.
وتوضح الطل أنها حرصت، طوال مسيرتها، على اختيار الأدوار التلفزيونية التي تضيف إلى تجربتها الفنية وتحمل بعداً إنسانياً أو اجتماعياً، حتى وإن كانت المساحة الزمنية للدور محدودة، مؤكدة أن التأثير لا يقاس بحجم الدور بل بعمقه وصدقه وقدرته على ترك أثر لدى المشاهد.
وتضيف أن الدراما التلفزيونية الجادة قادرة على إحداث فرق حقيقي في وعي المتلقي متى ارتكزت إلى نص قوي وإخراج واع وأداء صادق.
وتلفت إلى أن واقع الدراما التلفزيونية اليوم يواجه تحديات كبيرة، أبرزها ضعف النصوص والاستعجال في الإنتاج وتكرار القوالب والشخصيات، ما أفقد كثيراً من الأعمال قدرتها على ملامسة الناس والتعبير عن قضاياهم الحقيقية.
ومع ذلك، تؤكد الطل أنها ما تزال تؤمن بقدرة الشاشة الصغيرة على استعادة دورها الريادي، متى توفرت الإرادة الجادة والدعم الحقيقي للإنتاج المحلي، لا سيما من قبل القطاع العام.
وتعرب الطل عن أسفها لطبيعة الموضوعات المطروحة في الدراما، ليس على مستوى الأردن فقط، بل على مستوى الوطن العربي عموماً، معتبرة أن القضايا الحقيقية باتت مغيبة رغم بساطتها وقربها من حياة الناس.
وتقول" إن أي عمل جاد يطرح مشكلة واقعية يلقى التفافاً من الجمهور".
وتأمل الطل أن تختار الجهات المعنية كافة بجدية أكبر الموضوعات التي تمس المجتمع وتقديمها بالطريقة المثلى، مؤكدة أنه لا عيب في طرح القضايا الحساسة متى عولجت بوعي ومسؤولية.
وفي حديثها عن تجربتها الشخصية، تؤكد أنها لم تخش يوماً تقديم أي دور، لأنها تنظر إلى التمثيل بوصفه فعلاً فنياً قائماً على الصدق والتحدي، لا على المجاملة أو البحث عن الأمان، مشددة على أن الأدوار لا تفصل على مقاس الممثل، بل يجب أن تحمل قدراً من التحدي والمغامرة.
وتوضح الطل أنها حين تقدم على أي عمل درامي أو سينمائي، لا بد أن تشعر بالانسجام معه أولاً، وأن يكون قادراً على دفعها لتجاوز مخاوفها واختبار قدراتها، ما يجعلها تتابع العمل لاحقاً بكل تركيز، بحثاً عن فكرته ورسائله.
وتلفت إلى أن الفنان، بحكم موقعه وتأثيره، مطالب بأن يكون حريصاً على ترك أثر إيجابي لدى جمهوره، مؤكدة في الوقت ذاته أن العنصر المادي، وإن لم يكن كل شيء، يظل عاملاً مهماً لا يمكن تجاهله، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي يواجهها الفنانون.
وتتوقف الطل عند ما تصفه بأساليب قد تقلل من شأن الفنان الأردني، مشيرة إلى ظاهرة الاستعانة بممثلين من الصفوف المتأخرة في بعض الدول العربية ومنحهم أدواراً رئيسية، مقابل تهميش فنانين أردنيين من الصف الأول وحصرهم في أدوار ثانوية، إضافة إلى مسألة خفض الأجور، التي باتت مشكلة شائعة تضطر الفنان أحياناً إلى القبول بها تحت ضغط الظروف المالية.
وترى أن هذه الممارسات أسهمت في الإنقاص من قيمة الفنان الأردني، وأثرت سلباً في مكانته التي كان يحتلها سابقاً في الدراما العربية.
وتؤكد الطل أن الفنان الحقيقي هو من تنعكس ثقافته على سلوكه وتصرفاته، فيتقبل النقد والرأي الآخر بصدر رحب، ويجند نفسه للدفاع عن قضايا مجتمعه، ساعياً إلى خلق فضاء أكثر انفتاحاً وتطوراً.
وتشدد على ضرورة تعميق الثقافة لدى الفنان، لأنه المرآة النابضة للمجتمع وصوته القادر على تحريك الوعي.
وفي ختام حديثها، تقول شفيقة الطل إنها لا تتمنى تجسيد شخصية بعينها، مشيرة إلى أن بعض أجمل تجاربها جاءت في أعمال لم تخطر ببالها مسبقاً، ومن بينها ثلاثة أفلام قصيرة قدمت فيها شخصيات مميزة، كان أبرزها فيلم" وذكرنا وأنثانا"، الذي شارك في مهرجانات عدة، وهو من إخراج أحمد اليسير، وترك انطباعاً لافتاً لدى الجمهور، لما حمله من صدق في الأداء وتجربة فنية مختلفة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك