تتأسس رواية «الحالة ياء»، الصادرة سنة 2026 عن دار خطوط وظلال في الأردن، للروائي المغربي محمد بدازي، على أبعاد نفسية ووجودية غاية في العمق.
إذ لا يتم تقديم الاضطراب النفسي في الرواية بوصفه ظاهرة فردية فحسب، بل بوصفه حالة وجودية شبه عامة، تتقاطع فيها الذوات المشتركة في بنية اجتماعية غير منصفة، تفرز في الغالب القهر الفردي والجمعي معا، لتعيد إنتاجه من جديد بأشكال متعددة تتناغم، بانتظام، مع شخصيات الرواية المتباينة في سلوكياتها ومعاناتها، وبحثها المحموم عن الانعتاق والاعتراف الذي تنشده من الآخر.
ويتجسد هذا الاضطراب، في مسار الرواية، بوضوح في الشخصية المحورية: يحيى الغازي، الذي يعيش الاضطراب النفسي في أقصى تجلياته.
ما يدفعه، بالتدريج، إلى الانسحاب داخل عوالمه الخاصة، هربا من عنف العالم، ومن محيطه القريب والبعيد، باحثا عن ملجأ آمن لروحه المعطوبة، ومواصلا التخفي حتى نهاية الرواية.
يبرز هذا العمق النفسي في الرواية، على المستوى الفني، في طريقة بناء الأحداث ونحت الشخصيات.
فبعد أن جعل الكاتب الاضطراب النفسي أفقا وجوديا عاما، جسده فنيا عبر تصوير دقيق وماهر، ليقدم للقارئ نصا زاخرا بالأحداث والشخصيات، وما يعتريها من تفاعلات، متباينة في سرعتها، ولكنها تحبس الأنفاس من حيث الإثارة والتشويق.
وقد أتقن رسم ملامح شخصية يحيى الغازي بدقة متناهية تكثفت فيها كل المآسي، لتمنح القارئ شخصية مهزوزة، متأرجحة، بين واقعه الداخلي، وحياة صاخبة في سياقه وشرطه الخاص.
كما أجاد الكاتب نحت شخصيات الرواية، كل واحدة على حدة، ببراعة تتناسب بالكامل مع عمقها ودواخلها، وهذا ما جعل الروائي محمد بدازي في غنى عن الوصف النمطي الكلاسيكي لشخوص الرواية، وفي المقابل لجأ إلى تقنية الحفر في عمق النفس البشرية ليصل، في النهاية، إلى رسم الشكل الخارجي، وتحديد معالمها التي تنعكس بوضوح للقارئ في الرواية، وفي الأغلب، بطريقة غير مباشرة.
إن الآليات السردية التي اشتغل عليها الكاتب، تُبرز الوضع الهش لشخوص الرواية، حيث يأخذنا إلى عوالم مفعمة بخيال خصب وعميق، ويصور حالات إنسانية مسحوقة ومتشظية، مدفوعة آليا للبحث عن الخلاص الذي تنشده كائناته الروائية كلٌّ بطريقته، التي قد لا تكون سوية في معظم الحالات.
ويمتد هذا الاشتغال، لا على الشخوص وحدهم، بل على الفضاء أيضا؛ فالمكان في الرواية متحول بتحول الشخصيات ونموها.
إنه مكان عائم في الأغلب، ولكن ملامح هذا المكان هي الشارع والمقهى والمصحة وشقتا يحيى وسمية في الدار البيضاء، ثم القرية، وطنجة، التي تعتبر ملمحا حيويا وببعد محوري مؤثر في الرواية.
لكن القارئ سيكتشف أن المكان الحاضن للأحداث في رواية «الحالة ياء»، ليس فقط هي الأمكنة المتعارف عليها، بل هي أيضا دواخل أبطال الرواية، وقصصهم الشخصية، وتفاعلاتهم مع أنفسهم أولا وأخيرا.
وفي هذه النقطة بالذات برع الروائي محمد بدازي في تلاعبه بالمكان، وتجريده من نمطيته الجغرافية ليكيفه، حسب نفسية الأشخاص وسلوكياتهم.
من يقرأ هذه الرواية المذهلة، سيقف على التمكن الكبير للكاتب في صياغة رواية ببعد نفسي عميق، لكنها، وبمعادلة رائعة، لا تفقد قيمتها التشويقية، التي تظل مرافقة للأحداث منذ البداية، مرورا عبر كل صفحة، وإلى حد نهاية هذا العمل الممتع الذي يشد الأنفاس.
ولأن الكاتب يحمل مرجعية فلسفية صِرفة، فقد استطاع إدماج هذا البعد القوي بسلاسة وواقعية، مطرزة بتأمل فكري عميق، وبأسلوب ماتع ومدهش.
كما تمكّن أيضا من تجميع شخصيات الرواية في أحداث متشابكة وغنية، ورغم تباينها والمعاناة التي رافقتها، إلا أن خيطا خفيا ورفيعا ظل يجمعها، يتمثل في البحث عن هوية فردية أو جماعية.
ويكشف سرد الأحداث الآسر، أن هناك من يبحث عن ذاته من خلال اعتراف أب حاضر بشكل ما، لكنه غائب رمزيا، لا يرغب هذا الأب في منح الاسم ولا الشرعية للابن الباحث عن صك اعتراف نفسي رسمي.
هذا الغياب لا يُنتج فقط اختلالات في نفسية البطل يحيى الغازي المعني بهذا الضياع، بل يخلق ذواتا أخرى تائهة موشومة بالندوب، لا تنتمي تماما إلى نفسها ولا إلى العالم.
وبالتوازي مع هذا المستوى، تبرز شخصية يحيى الغازي الأخرى، شخصية مركّبة أجاد الروائي محمد بدازي، بمهارة فائقة، حياكة خيوط نسيج نفسيتها المعقدة والعصية على التشخيص.
ووفق هذا المعطى، فإن كل شيء بالنسبة ليحيى الغازي يصبح محل شك.
كل الذكريات تصبح موضع ريبة، وكل العواطف تخضع للمساءلة الحادة والعنيفة.
لا تتعامل الرواية مع الحقائق الواردة في النص، خصوصا تلك المتعلقة بيحيى الغازي، باعتبارها أحداثا درامية عابرة، بل قصص رجل مكسور من الأساس، يحاول بيأس إعادة تأسيس معنى النسب، والوفاء، والحب.
وهذه المعطيات كلها تجعل القارئ، في نهاية الرواية، يكتشف حقائق صادمة؛ فبالإضافة إلى حقيقة يحيى الغازي، يكتشف حقيقة سمية، وحقيقة الأم زينة، وحقائق أخرى تنكشف تواليا في الرواية البارعة «الحالة ياء»، التي أبدعها الروائي محمد بدازي بتقنيات سردية متفوقة، وبخيال واسع، وبمهارة مثيرة للإعجاب، ليضع القارئ، وهو في خضم قراءة هذا العمل الروائي الفريد، في بؤرة عوالم ممتعة وغنية بالأحداث والإثارة.
تنفتح الرواية على شخصيات مؤثرة أخرى، على غرار شخصية سمية، التي فرضت نفسها، في الرواية بامتياز، ليجدها المتلقي وسط دوامة صراعات نفسية متعددة الاتجاهات.
ففي الوقت الذي نجدها منهمكة، بكل قواها، في رتق الثغرات في نفسية يحيى الغازي المعطوبة، نكتشف أنها هي الأخرى في حاجة إلى من يضمد جراحها النفسية، ومن يعيد ترميم انهياراتها ذات الأبعاد المتقاطعة والمتوازية في الآن ذاته.
وبهذه المعادلة المبهرة التي اعتمدها الكاتب كمسار متواصل، منذ بداية الرواية وإلى نهايتها، يضعنا في مطب أسئلة إشكالية متشعبة، لينخرط القارئ معه، عنوة، في محاولة القبض على الأسباب الثاوية وراء هذا الإصرار العجيب من سمية لمرافقة يحيى في رحلة علاج يائس.
لكننا نحدس الجواب الضمني الحاسم في الأخير، ونكشف اللعبة المخاتلة التي تجعل القارئ، بدهاء إبداعي مبهر من الكاتب، جزءا فيها.
أما معاناة الأم زينة، فتقف في جوهر التقاطع بين النفسي والاجتماعي.
إنها امرأة عاشت الاستغلال بشتى الطرق، داخل منظومة معتقدات تميل إلى تبجيل وتبرئة الرجل مسبقا، وتحميل المرأة عبء الشبهة والخطيئة دائما.
لا تُقدَّم الأم زينة في الرواية كضحية خالية من التفاصيل الإنسانية فحسب، بل كذات مُنهكة، تحمل آثار العنف الرمزي والفعلي في جسدها ولغتها وصمتها الطويل.
لا يصور الروائي محمد بدازي المجتمع، في رواية «الحالة ياء»، بوصفه خلفية محايدة، بل بوصفه فاعلا أساسيا في إنتاج المآسي وشرعنتها في الأغلب.
إن هذا المجتمع يتواطأ ضد زينة، ثم يرميها في نهاية المطاف إلى الهامش.
ولكن أقسى ما يطعنها به المجتمع، هو أنه يغرس في ذاكرتها سرا خطير الأثر، لكنها تظل مجبرة على كتمه، حتى الرمق الأخير من حياتها التعيسة وهي تلفظ أنفسها، تماما كما تلفظ سرها الذي سكنها سنوات طويلة.
إن ما يميز هذه التجربة الروائية للكاتب محمد بدازي، هو انخراطها في تزعم مسار متجدد للرواية المغربية.
مسار لا يكتفي بتشخيص الواقع الاجتماعي، بل يحفر في الجذور النفسية والوجودية.
إنها رواية لا تقترح بدائل بقدر ما تسائل أوضاعا متأزمة.
أوضاع لا تشغل الكاتب وحده، بل تشغل كل الضمائر الحية، لكنها في المقابل، تترك كل الأسئلة مفتوحة ومشرعة على كل التأويلات.
بهذا المعنى، ينجح الكاتب في تثبيت مسار سردي ينحاز إلى الإنسان الهش، إلى الذات المكسورة، ويحوّل المعاناة الفردية إلى واجهة لقلق وجودي جماعي أوسع، حيث تصبح الرواية فعلا قويا لإضاءة الزوايا المظلمة في مجتمع يحاول إخفاء خطاياه.
وإذا كانت الرواية تنحاز إلى الإنسان الهش دلاليا، فإن أسلوبها يترجم هذا الانحياز بتميز لافت، إذ يؤثث الكاتب الجماليات العامة في الرواية بلغة رشيقة، مكثفة، ومتدفقة بسخاء.
يمنح لكل شخصية صوتها ونبرتها الخاصة، يعيد هندسة اللغة حسب حيوية اللحظة أو مأساويتها، فنشهد تصاعدا محسوبا، وهدوءا محسوبا، وتراجعا محسوبا مع كل حدث وما يتطلبه من تسريع أو إبطاء للإيقاع.
لكن بدازي يظل ممسكا باللغة كأداة محركة للأحداث، بواسطتها يُبرِز انفعالات الغضب والألم والحزن والفرح.
تماما كما يليق بروائي يحبك نصه بلغة فلسفية بارعة، يتخذها وسيلة فعالة وناجعة، لتفكيك كل حالة على حدة، ضمن منظومة سردية متماسكة ومترابطة البناء.
من خلال هذه العناصر مجتمعة، يتيح لنا الروائي رواية ترجُّ وتستفز ولا تهادن.
إنها رواية للتأمل، للمتعة، للتفكير الفلسفي.
هكذا هو الخطاب في رواية «الحالة ياء»، وعلى القارئ أن يطرح الأسئلة، وفي الوقت نفسه عليه أن يحاول الإجابة عن أسئلة مطروحة ضمنيا في الرواية.
وسيكتشف القارئ، في الأخير، أن ثمة خيوطا متشابكة، وأحداثا مثيرة زاخرة بالتشويق، ينبغي أن يكتشفها فقرة بعد فقرة، وصفحة بعد صفحة، حتى آخر كلمة في الرواية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك