عمان- وسط جدل متصاعد حول التوجه الحكومي بدراسة إمكانية زيادة العطلة الأسبوعية إلى ثلاثة أيام، رأى خبراء إداريون أن الإشكالية تتمثل في كيفية تطبيق تقليص أيام العمل في القطاع العام دون خلق تمايز سلبي مع القطاع الخاص أو تحميله أعباء تنظيمية ومالية إضافية.
اضافة اعلان.
وأكد هؤلاء الخبراء ضرورة دراسة الموضوع من جميع جوانبه والتركيز على مراجعة الإجراءات الحكومية وإتمامها بشكل كامل لتقديم الخدمة الأفضل لمتلقيها بغض النظر عن أيام ومكان تنفيذها.
وقالوا إن البدائل الأفضل تتمثل بتعزيز الدوام المرن، والعمل عن بُعد لبعض الفترات أو ليوم في الأسبوع، مع تفعيل التنسيق والتعاون بين دوائر الحكومة، وتسريع وتحصين التحول الرقمي، وتشديد الرقابة على الإنجاز في الوقت المثالي، إضافة إلى تقييم الموظفين والوحدات الادارية بمؤشرات أداء حيوية، وربط ذلك بترقيتهم أو عقوبتهم، على أن يشمل ذلك الإدارات الوسطى والعليا.
ودعوا إلى عدم تعديل قانون العمل حاليا، والإبقاء على سقف (48) ساعة عمل، مع السماح بتوزيعها بمرونة عبر أنماط مختلفة.
وفي السياق، أكدت وزيرة الدولة لتطوير القطاع المؤسسي السابقة ياسرة غوشة، أن طرح فكرة العطلة الأسبوعية لمدة 3 أيام ما تزال مجال نقاش، وكذلك وفق ما صرح به وزير الاتصال الحكومي الدكتور محمد المومني بأنها قيد الدراسة وترتبط برقمنة الخدمات وتحسين الإنتاجية، وبالتالي لخص عناصر اتخاذ القرار.
وقالت غوشة إن النهج الأفضل لاتخاذ أي قرار حكومي يتمثل بدراسة القرار بشكل حيادي وإشراك الخبراء والشركاء ومتلقي الخدمة، وبعد اتخاذ القرار وتطبيقة يتم تقييم أثره.
وتابعت: " هذا ما ينتهجه الدكتور جعفر حسان في الإدارة الحكومية، فمن منطلق الالتزام بالشفافية لا يتفاجأ الجمهور بقرار لم يطلع عليه سابقاً ولم يكن شريكاً به، كما يمكن استطلاع رأي المواطنين من خلال الإعلام والجلسات التشاورية والمنصات الإلكترونية، وكلها وسائل لجمع الآراء والاطلاع على السلبيات والإيجابيات وتقييم القرار قبل اتخاذه".
وقالت إن هذا الأمر يتطلب الاستثمار بالوقت وعدم التسرع بالتراجع فيما بعد عن القرار، لأن ذلك ربما يكون ذا أثر سلبي، كما أن تعزيز دور متلقي الخدمة باتخاذ القرار يؤكد الديمقراطية ويبني الثقة بالحكومة.
وأضافت أن اتخاذ قرار العطلة 3 أيام هو قرار إداري إستراتيجي، وقد يفيد عملية التحديث أو يؤخر الإنجاز، لذلك إذا كانت لدينا مشكلة في الإنتاجية ومدى إنجاز العمل وتنفيذ المهام، فلا بد من دراسة مثل هذا القرار جيداً قبل اتخاذه وإعداد خطة بديلة.
وبينت أن من فوائد هذا القرار أنه يركز العمل في أيام الدوام الرسمي، ويقلل الاجتماعات ويسرع القرارات، ويقلل الإرهاق الوظيفي، كما قد يخفض الإجازات المرضية والغياب والمغادرات قبل انتهاء الدوام، إضافة إلى تخفيض استهلاك الطاقة والمرافق والمواصلات، كما يخفض الازدحامات المرورية.
وزادت: " لكن من سلبياته زيادة ضغط العمل إذا لم تكن الإجراءات مراجعة ومؤتمتة، وضعف تقييم الموظفين، والعقلية الإدارية التقليدية التي تستند إلى سياسة ضرورة مراجعة الموظف في مكتبه لإتمام المعاملة".
وقالت غوشة إن هذا القرار طبق في أكثر من دولة مثل بلجيكا، وإسبانيا، وألمانيا، والبرتغال، والمملكة المتحدة، وآيسلندا، واليابان وبعض الدول العربية التي طبقتها في مجالات معينة ولم يتأثر راتب الموظف ولا ساعات عمله الأسبوعية.
وأشارت إلى أنه" حتى نطبق هذا القرار فهناك أسئلة لا بد من الإجابة عنها، وهي من قبيل هل مهام كل موظف واضحة وقابلة للقياس ويتم تقييم الموظف فعلياً سنوياً استناداً إليها؟ ، وهل القيادة تدار بالنتائج وليس بالحضور الفعلي؟ وهل البنية التحتية الرقمية مجهزة بالكامل؟ ".
وزادت: " هل الجهة الحكومية مستقرة أم هي في مراحل إعادة هيكلة؟ وهل يمكن تطبيقها على كل الأجهزة الحكومية؛ إذ إن هناك أجهزة يجب أن تعمل حتى في أيام العطل، وهذه أسئلة يجب دراستها بعمق قبل اتخاذ أي قرار".
وأوضحت أن هناك برامج إدارية أدخلت على الإدارة الحكومية، مثل الدوام المرن، والعمل عن بعد، وهذه تعد أدوات داعمة للقرار، لكنها ترتبط بمدى جاهزية المؤسسة لتطبيقها، كما أن أزمة كورونا أظهرت مدى قابلية تطبيق مرونة الدوام وإنجاز المهام.
وقالت إنه يمكن للحكومة إذا أرادت تطبيق هذا النظام، أن تبدأ تدريجياً في قطاعات معينة ومؤسسات جاهزة لإدارة الأداء وتحقيق النتائج دون الإخلال بجودة الخدمة واستمرارية تقديمها، وتربط بمدة تجربة محددة ومؤشرات قياس أداء، وقياس رضا متلقي الخدمة، ومثل هذا القرار يؤخذ من الإدارة الحكومية، وهو متروك لتقديرها، مثل دوام شهر رمضان المبارك أو العطل الرسمية.
ودعت إلى ضرورة دراسة الموضوع من جميع جوانبه، والتركيز على مراجعة الإجراءات الحكومية وأتمتتها بشكل كامل لتقديم الخدمة الأفضل لمتلقيها بغض النظر عن أيام ومكان تنفيذها.
من جهته، رأى أمين عام وزارة تطوير القطاع العام سابقا د.
عبدالله القضاة أنه في ضوء توجه الحكومة لدراسة تقليص أيام العمل الأسبوعية، بهدف رفع الكفاءة وتحسين جودة الحياة الوظيفية، تبرز الحاجة إلى معالجة الآثار المحتملة على القطاع الخاص، خاصة في ظل قانون العمل الذي يحدد ساعات العمل الأسبوعية بـ(48) ساعة.
وزاد القضاة: " يستدعي ذلك تبني إطار سياساتي متوازن يمنع تعميق الفجوة بين القطاعين ويحافظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي".
وأكد أن الإشكالية تتمثل في كيفية تطبيق تقليص أيام العمل في القطاع العام دون خلق تمايز سلبي مع القطاع الخاص أو تحميله أعباء تنظيمية ومالية إضافية.
وأشار إلى ضرورة اقتراح إطار مرن يحقق العدالة بين العاملين في القطاعين، ويعزز الإنتاجية الوطنية، ويكرّس الشراكة مع القطاع الخاص، وهذا الإطار يفضل أن تحكمه عدة مبادئ، منها المرونة التشريعية بدل الإلزام، والتحفيز بدل الإكراه، واعتماد الإنتاجية معياراً أساسياً، والتدرج وفق طبيعة القطاعات.
واقترح عدة توصيات بهذا الخصوص، منها تطبيق فكرة التعطيل لثلاثة أيام للشركات الحكومية أسوة بالمؤسسات العامة، وعدم تعديل قانون العمل حاليا، والإبقاء على سقف(48) ساعة عمل، مع السماح بتوزيعها بمرونة عبر أنماط مختلفة، ويمكن توجيه القطاع الخاص لإمكانية تطبيق الدوام المرن على موظفيه بالشكل الذي يسمح للعامل بالدوام ولو ليوم واحد من المنزل أسبوعيا.
كما اقترح تقديم حوافز للقطاع الخاص الذي يعتمد أنماط العمل المرنة، وتشمل الأولوية في العطاءات وتسهيلات تمويلية، ودعم الشركات لتبني إدارة العمل بالنتائج ومؤشرات الأداء، وتطبيق متدرج يراعي خصوصية القطاعات الحيوية والصناعية.
ويرى القضاه أيضا وجوب النظر في تقليص أيام العمل بوصفه أداة لرفع الإنتاجية لا كامتياز وظيفي، معتبرا هذا الإطار خطوة متوازنة تحافظ على العدالة وتدعم مسار التحديث الإداري والاقتصادي.
من جهته أكد مدير عام معهد الإدارة العامة السابق الدكتور راضي العتوم ضرورة أن توضح الحكومة مبررات هذا الطرح، ومن ثم ننتقل إلى دحض أو إثبات صحة هذه المبررات.
وأضاف: " قبل اتخاذ أي قرار أو سياسة إدارية أو اقتصادية، يجب إجراء دراسة وافية للآثار التي قد تترتب عليها، أي ما يعرف بدراسة أثر التشريع RIA، وهذه الدراسة تجرى من مختصين في الاقتصاد والمال والإدارة وعلم النفس والاجتماع".
وقال: " لا شك بأن جوهر القرار له تداعيات إدارية واقتصادية ونفسية واجتماعية على الدولة ومواطنيها، بل وله إيقاع حيوي على الدولة برمتها يتمثل بثقة المواطن والمقيم والمستثمر والزائر للبلاد".
وتابع: " كذلك لا يغيب عن الفكر التنموي الاقتصادي والإداري والسياسي أن الموظف هو رأسمال الحكومة والدولة الحقيقي، وأن أصحاب القرار والإدارة العليا هم قبطان سفينة التنمية التي تقود الدولة إلى الإبحار في الاتجاه الصحيح للوصول بسكانها إلى برّ الأمان بين الأمواج المتداخلة المتأتية من كل حدب جيوسياسي في المنطقة.
".
وأوضح بالقول: " لذلك، فالأمر يتجاوز فكرة تخفيض التكاليف التشغيلية للوظيفة العامة، أو تقليد دول معينة تحت ذريعة ما يسمونه تجارب مُثلى وهي في الحقيقة ليست كذلك، كما أن ظروفها وتشكيلها ونمط أعمالها، وأسلوب قيادتها، وأنظمة رقابتها، وفعالية المساءلة والمحاسبة فيها لا تنطبق علينا أبدا.
".
وقال العتوم إن الأمر الواجب السعي له هو أن يتم تحسين آليات وأدوات العمل وسياساته، وتطوير الموظف، وترشيد أصحاب القرار وتوعيتهم بوجوب موضوعية قراراتهم، والتعامل بإدارة ديمقراطية، فضلا عن البعد عن الإدارة الأوتوقراطية التي تسود مواقف إداراتنا العربية عموما، والأردنية بشكل خاص.
وزاد: " إن ما نجح به الغير، الذين سميناهم أصحاب التجارب المثلى، يختلفون عنا كل الاختلاف، فهم يعملون بصمت، وبصرامة، وبفعالية كبيرة، وبكفاءة محسوبة، وبإدراك حسي وعملي عميقين، مقارنة ببيئة عمل عربية يجهل فيها المسؤول حيثيات العمل، ويجهل أثر قراراته، ولا رقابة ومتابعة عليه، ولا محاسبة على أخطائه وقراراته المزاجية أو الانتقامية أو غير المدروسة".
وأوضح أن هناك قطاعات خدمية لا تقبل التأجيل أو طول الإجازة، مثل قطاع الخدمات الصحية، وكذلك أعمال البلديات، والمياه، والكهرباء، وغيرها، كما أن قطاع التعليم سيتأثر سلبيا بعدد أيام العطل؛ ذلك فإن العبء الدراسي سيتوزع على عدد أيام أقل، حيث يتم الضغط على الطالب، وعلى المعلم والأستاذ، وعلى إدارة المدرسة والجامعة وغيرهما.
وزاد: " كما تتأثر سلبا قطاعات الخدمات مثل الأحوال المدنية، والبلديات، والضريبة، والقضاء والمحاكم، وهي قطاعات تعاني أصلا من طول فترات التقاضي، وهذا ما يعطل حقوق المواطنين والمقيمين في حصولهم على الخدمات في وقتها".
وأما قطاع الاستثمار المحلي والخارجي، فقال العتوم إن الأثر سيكون مؤلما، حيث سيتعطل المستثمرون الذين يحتاجون لتراخيص وموافقات على خدمات داخلة وخارجة، وسريعة دون تزاحم، ما يعني تعطيلهم، وزيادة حاجتهم لموظفين لإكمال الأعمال في أيام الدوام، ورفع تكاليفهم التشغيلية، وهو ما يعني أخيرا رفع متوسط تكلفة وحدة الإنتاج للسلعة أو الخدمة لديهم، وهذا بدوره يؤدي إلى تراجع تنافسيتهم وبالتالي ضعف وتراجع الأداء الاقتصادي.
وقال إن مثل هذا القرار سيكون صعبا، وأن البدائل الأفضل تتمثل بتعزيز الدوام المرن، والعمل عن بُعد لبعض الفترات أو ليوم في الأسبوع، وتفعيل التنسيق والتعاون بين دوائر الحكومة، وتسريع وتحصين التحول الرقمي مع تشديد الرقابة على الإنجاز في الوقت المثالي، إضافة إلى تقييم الموظفين والوحدات الادارية بمؤشرات أداء حيوية، وربط ذلك بترقيتهم أو عقوبتهم، على أن يشمل القرار الإدارات الوسطى والعليا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك