لم تكن تحركات جلالة الملك عبدالله الثاني في الإقليم مجرد جولات بروتوكولية، بل جاءت كإشارة سياسية واضحة على محاولة أردنية منظمة لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي في مواجهة مرحلة إسرائيلية، اتسمت بالاندفاع والتصعيد.
فبين عمان وإسطنبول والقاهرة، تشكلت ملامح رؤية أردنية، سعت لجمع عناصر القوة العربية والإسلامية في مسار واحد، قادر على إعادة ضبط إيقاع الصراع ووقف انزلاقه نحو مزيد من الفوضى.
وهذا الحراك، أعاد التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية، ورفض سياسات الضم والتهجير، والدفاع عن القدس ومقدساتها، باعتبارها خطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها.
كما عكس إدراكا أردنيا بأن مواجهة سياسات الاحتلال لم تعد تحتمل ردود فعل مجتزأة، بل تطلبت تكتلا سياسيا أوسع، يستند إلى تنسيق إقليمي وثيق، ودعم دولي، وقدرة على الصمود، لحماية ما تبقى من فرص الحل السياسي، ومنع تحويل التصعيد القائم إلى واقع دائم.
فوفق تحليلات خبراء في الشأن السياسي والإستراتيجي لـ" الغد"، فإن جولات جلالة الملك لم تكن تحركات منفصلة، بل شكلت أجزاء من رؤية سياسية متكاملة، سعت لإعادة الاعتبار لفكرة التكتل العربي الإسلامي، القادر على ممارسة ضغط سياسي حقيقي، مستفيد من لحظة دولية متحركة، ومن مخاوف متزايدة، من أن تؤدي سياسات الاحتلال الحالية لانفجار شامل.
وأكدوا أن نجاح هذا التوجه، مرهون باستمرار التنسيق، وصمود المواقف، وتحويل التفاهمات السياسية لخطوات عملية، قادرة على وقف التصعيد، وحماية ما تبقى من فرص إقامة الدولة الفلسطينية.
مشيرين إلى أن ذلك، جاء ليؤكد دور الأردن كحلقة وصل سياسية تسعى لإعادة تجميع الموقف العربي والإسلامي حول ثوابت واضحة، في مقدمتها حل الدولتين، والوصاية الهاشمية على المقدسات، ووقف العدوان على غزة.
الخبير د.
بشير الدعجة، قال إن ما شهدته غزة والضفة الغربية، لم يعد ممكنا توصيفه كتصعيد مؤقت أو جولة عسكرية عابرة، معتبرا بأننا" أمام تحول واضح في طبيعة سلوك الاحتلال"، يتجسد بـ" توسع ميداني، وتشريعات داخلية تمنح الغطاء لاستخدام القوة، وتسارع غير مسبوق في الاستيطان والاقتحامات"، ما جعل" الصمت الإقليمي والدولي خيارا عالي الكلفة".
وقال الدعجة، إن هذا المشهد أفرز سياقا سياسيا وامنيا جديدا، برز فيه التحرك الأردني بوصفه" محاولة منظمة لإعادة تجميع موقف عربي إسلامي فاعل"، مشددا على أن هذا التحرك" لا يقوم على الخطاب الانفعالي، بل على حسابات سياسية وأمنية دقيقة"، وهدفه الأساسي" كبح اندفاعة الاحتلال ومنع انتقال الأزمة إلى مستوى يهدد استقرار الإقليم بأكمله".
وأشار إلى أن توقيت هذا التحرك، حمل دلالات واضحة، مبينا أن" الأرقام على الأرض فرضت واقعا جديدا"، إذ بينت تقديرات أممية أن هناك" عشرات الآلاف من القتلى والجرحى في غزة، معظمهم من المدنيين، إضافة إلى تدمير واسع للبنية التحتية شمل مرافق طبية وإنسانية"، في وقت سجلت فيه الضفة" أعلى وتيرة اقتحامات واعتقالات وتوسع استيطاني منذ سنوات، بالتوازي مع اقتحامات متكررة للمسجد الأقصى"، ما أدخل الصراع" في بعد ديني شديد الحساسية".
واعتبر الدعجة، أن هذه الوقائع" لم تعد قابلة للاحتواء بالبيانات والاجتماعات والمؤتمرات"، محذرا من أن استمرارها" تهديد مباشر لتوازنات قائمة"، ولا سيما بالنسبة للأردن الذي" يتعامل مع الضفة كامتداد أمني ملاصق"، مؤكدا أن" أي انفجار واسع فيها، ستكون له ارتدادات مباشرة على الاستقرار الإقليمي".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك