“كيف وصلتم في تونس إلى هذا الدرك بعد أن كنتم النموذج الملهم للكثير من العرب”؟ !
مجموعة من الباحثين التونسيين سعت إلى تقديم الجواب، كل من زاويته عبر “مجهود بحثي استمر زهاء سنة، وجمع عددا من الأكاديميين والمختصين، في مجالات علمية مختلفة، حول حلقات نقاش وتفكير ركّزت كل منها على تعميق المعرفة العلمية بجانب من جوانب الشعبوية في تونس، التي تعني قيادة الرئيس قيس سعيّد بالدرجة الأولى، ولكن أيضا جزءا من الجمهور، انطلاقا من تسع ورقات بحثية تدرّجت من التعريف إلى التعرّف”.
هكذا جاء في مقدّمة كتاب “تونس الشعبوية” الصادر مؤخرا عن “مركز الدراسات الاستراتيجية حول المغرب العربي” والواقع في 277 صفحة تراوحت بين السياسي، والقانوني والاقتصادي والإعلامي، وكلّها تحاول تفسير كيف آلت تونس إلى ما آلت إليه اليوم.
كل الأوراق ثرية لكننا اكتفينا ببحثين فقط تناول الأول الإعلام وجمهوره عبر “بحث استطلاعي في الاتجاهات نحو الشعبوية”، والثاني المزاج العام للقيادة في تونس عبر “مساهمة في نقد حالة الأزمة الدائمة في الشعبوية التونسية”.
في خلاصتها، توصّلت الورقة البحثية للدكتور الصادق الحمّامي أستاذ التعليم العالي بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار في تونس إلى أن الرأي العام الشعوبي في البلاد اتسم بخمس خصائص أساسية، من أبرزها ما أطلق عليه وصف “الإنهاك الإخباري والسياسي” حيث تبيّن مجموعة الدراسات الكمية التي اعتمدها” تراجعا كبيرا في الثقة المتصلة بالمؤسسات السياسية والإعلام”.
هذا “التعب من السياسة متصل بخيبة الأمل في السياسيين والحكّام التي يعبّر عنها المواطنون باستمرار”، وهو ما يمكن أن يفسّر “انسحاب المواطنين من الحياة السياسة وتراجع الإيمان بالديمقراطية، والاتجاه في المقابل نحو الشعبوية لدى فئة واسعة من المواطنين” سمّاها الباحث بـ”الجمهور المنهك الذي يقبل أن تُسلّم السلطة إلى رجل قوي كبديل عن النخب المتصارعة”.
وتطرّق الحمّامي إلى شبكة “فيسبوك” واسعة الانتشار في تونس فرأى أنها باتت “بيئة مواتية للتضليل المعلوماتي لأنها تيسّر أسر الناس في مجموعات أيديولوجية وسياسية تتقاسم نفس الأفكار والاتجاهات وهي بذلك تساهم في تراجع قدرة المواطنين على التمييز بين الزيف والوقائع وتعزّز قدرات الفاعلين السياسيين على التلاعب بالرأي العام وتُحرّر السياسيين من الميديا التقليدية”.
قيس سعيّد لا يستفيد وحده، كفرد حاكم، من حالة الأزمة الدائمة وربيبها الخوف، فالبيروقراطية الأمنية والعسكرية تحصد ريع هذا التوتّر المستمر.
هؤلاء الفاعلون السياسيون من مختلف الاتجاهات هم بالتحديد من اتجهوا إلى نوعية من الاتصال السياسي قام على أربعة مقوّمات هي “شيطنة النخب الفكرية والنقابات والأحزاب باعتبارها أنانية وفاسدة تفضّل مصالحها على مصالح الناس ومرتبطة بقوى خارجية لإقليمية أو دولية، و”الترويج لنظام رئاسي قوي”، و”ذهنية مؤامراتية تقوم في السياق التونسي على تفسير سببي لكل ما عرفته البلاد من قوى خفية متعدّدة أنجزت الثورة أو أفشلتها” (عربية، خليجية، تركية، فرنسية أمريكية، نخب فرانكفونية، أنصار النظام السابق، إسلامية لوبيات)، و”توظيف لاستراتيجيات الاتصال السياسي تقوم على مشاعر مثل الحقد والغضب موجّهة ضد المنافسين السياسيين والأيديولوجيين الذين يتم تحويلهم إلى أعداء”.
أما الورقة الثانية بعنوان “الخوف المزمن” فقد سعى فيها أحمد نظيف الكاتب والصحافي والباحث المهتم بالعلوم الاجتماعية إلى “تحليل استخدامات الخوف والتخويف والأزمة الدائمة في نمط حكم الشعبوية في تونس”، ذلك أن قيس سعيّد “ليس بارعا في تحقيق الوعود براعته في إطلاقها” معتمدا أساليب خطابية وجسدية تدور “حول فكرة التوتّر المزمن والأزمة الدائمة عبر التخويف، إذ يوجد دائما “خوف ما في الأفق يتهدّد الدولة، أو الأمة أو الشعب أو شخص الرئيس أو التركيبة الديمغرافية”.
وهذا الخوف “يتحوّل إلى محرّك أساسي للحكم والسيطرة وفرض السلطة”.
ويرى نظيف أن الرئيس سعيّد “لا يكفّ عن تذكير التونسيين بأنهم في حالة حرب تحرير وطني، لكنه في الوقت نفسه يحافظ على سرّية هويّة العدو، فيخوض الشعب من وراء قائده حربا لا يعرف فيها هويّة عدوّه على وجه التدقيق، ومع ذلك فقطاع واسع من هذا الشعب يخوض معركته الوهمية بشغف وصبر وحماس وأمل في الانتصار الحاسم والنهائي والقريب أيضا”.
ويشير نظيف في هذا السياق إلى “البعد الرسالي في شخصية الرئيس، فهو المخلّص والمنقذ والصالح في قوم فاسدين.
وهذا البعد بقدر ما يعطيه من خصال قوة البطل، فإنه يقدّم له جانبا من خصال الضحية وامتيازات المظلومية.
ذلك أن تونس (التي تخوض حرب تحرير وطني) لا تحتاج فقط إلى بطل يقود هذه الحرب، بل تحتاج أيضا إلى (شهيد كربلائي)، فنحن إزاء ما يسمّيه علم النفس المعاصر بـ(متلازمة الشهيد)”.
وفي خلاصة ورقته يرى نظيف أن قيس سعيّد “لا يستفيد وحده، كفرد حاكم، من حالة الأزمة الدائمة وربيبها الخوف، فالبيروقراطية الأمنية والعسكرية تحصد ريع هذا التوتّر المستمر، لكي تكون مركز القوة الأساسي داخل معسكر السلطة، ولكي توسّع من مجال نفوذها، وتاليا سلطتها وحصانتها”.
تشريح واف ومتكامل لما تعانيه تونس مع قيس سعيّد، وبسببه، هو ما طبع كل أوراق بحث هذا الكتاب، لكن في المقابل هناك افتقار كبير في الإصدارات الباحثة، بشكل أو بآخر، عن حلول بتصوّرات واضحة وعملية للخروج من حالة الانسداد والعبث الحالية.
هنا المعضلة المؤلمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك