في رسالة تأييد دولية وضعت حدًا للتكهنات حول وتيرة المشاريع الكبرى، وصفت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، النهج الذي تتبعه الرياض في إعادة جدولة أولويات الإنفاق الاستثماري بأنه “نموذج للحكمة”، مؤكدةً أن المرونة التي تبديها المملكة في التعامل مع المتغيرات العالمية تعكس نضجًا مؤسسيًا يتجاوز مجرد الحماس للتنفيذ.
تصريحات غورغييفا، التي أطلقتها من قلب “العلا” وعلى هامش منتدى دافوس 2026، تجاوزت حدود الإشادة الدبلوماسية، إلى اعتبارها “شهادة براءة ذمة فنية” لسياسة “إعادة ترتيب الأولويات” التي يقودها وزير المالية محمد الجدعان، محولةً ما رآه البعض “تباطؤًا” إلى “استراتيجية وقائية” تحمي الاقتصاد من الإنهاك.
“نلمس في السعودية قدرًا عاليًا من الحكمة”.
بهذه العبارة المباشرة لخصت المسؤولة الدولية الأولى رؤيتها للقرارات السعودية الأخيرة.
وفي حديث خاص للصحافة اليوم، أوضحت غورغييفا أن العالم يمر بـ “تطورات جيوسياسية واقتصادية متسارعة”، من تقلبات أسعار الفائدة إلى اضطراب سلاسل الإمداد، وبالتالي فإن الإصرار على الخطط القديمة بحذافيرها يعد “جمودًا” وليس قوة.
وأضافت بوضوح: “نؤيد تمامًا نهج السعودية في تعديل خططها الاستثمارية بما يتلاءم مع المستجدات الحالية.
العالم يتغير، ومن الذكاء أن تتغير الخطط معه لضمان الاستدامة”.
وهو تأييد يعني فنيًا أن الصندوق يرى في تأجيل بعض المشاريع “صمام أمان” يمنع الضغط على السيولة المحلية ويحمي الاحتياطيات من الاستنزاف غير المبرر.
وفي سابقة لافتة تعكس عمق الثقة في الفريق الاقتصادي السعودي، خصت غورغييفا وزير المالية محمد الجدعان بإشادة شخصية، معتبرةً أن وجوده “على رأس هرم المالية” يمثل ضمانة لاستمرار النهج الحصيف.
وقالت نصًا: “مع وجود الوزير الجدعان في القيادة، نحن واثقون أن المملكة ستواصل التصرف بحكمة في السنوات القادمة”.
هذه “الشخصنة” في الإشادة تحمل رسالة طمأنة مزدوجة للمستثمرين وأسواق الدين العالمية: الخزينة السعودية تدار بعقلية “مدير مخاطر” محترف، لا يتردد في اتخاذ قرارات صعبة (مثل التأجيل) إذا كانت تصب في مصلحة الاستقرار المالي طويل الأمد.
لم تكن الإشادة مبنية على العاطفة، بل على “لغة الأرقام” التي لا تجامل.
فقد رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي في عام 2026 إلى 4.
5%، بعد أن أثبت القطاع غير النفطي قدرته على الصمود والنمو بمعزل عن تقلبات أسواق النفط.
أشارت غورغييفا في دافوس إلى أن ما يبهرها ليس فقط الأرقام الكلية، بل “نوعية النمو”، حيث تحول القطاع الخاص من “متلقٍ للدعم” إلى “قائد للنمو”، وأصبح أكثر مرونة وقدرة على التأقلم مع الصدمات.
وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أيضًا أن “زخم الاقتصاد السعودي مستمر بقوة في 2026-2027″، مدفوعًا بقطاعات السياحة والضيافة التي نمت بنسب تتجاوز 7%، مما يؤكد نجاح استراتيجية التنويع.
وتعمقت غورغييفا في تحليل التحول الهيكلي، مشيرةً إلى أن الحكومة السعودية نجحت في تغيير دورها التاريخي من “المشغّل الرئيسي” للاقتصاد إلى “المُمكّن” (Enabler) الذي يمهد الطريق للقطاع الخاص.
وهذا التحول هو السر وراء تأييد الصندوق لسياسة “إعادة المعايرة”؛ فالحكومة تفسح المجال للقطاع الخاص ليقود الاستثمار في بعض القطاعات، بدلًا من أن تزاحمه بإنفاق حكومي ضخم قد يرفع التكلفة على الجميع.
وقد أوضحت أن “إصلاحات المملكة سمحت بازدهار القطاع الخاص الذي أصبح مصدر النجاحات في ظل التقلبات العالمية”.
.
وبعيدًا عن لغة الاقتصاد الجافة، اختارت غورغييفا لقطة إنسانية لتعبر عن انبهارها بحجم التغيير الاجتماعي الذي يواكب التغيير الاقتصادي.
فخلال جلسة في “البيت السعودي” بدافوس، أشارت إلى السترة التي ترتديها قائلة: “هذه السترة من تصميم وإنتاج مصممة سعودية.
هذا هو التغيير الحقيقي”.
هذه اللفتة البسيطة كانت تحمل دلالة عميقة: التحول في السعودية ليس مجرد أبراج ومشاريع، بل هو تحول في “العقلية الإنتاجية” للمجتمع، حيث باتت المرأة والشباب جزءًا فاعلًا في الدورة الاقتصادية، وهو ما يعتبره الصندوق “أهم أصول المملكة” للمستقبل.
.
وفي المحصلة، تضع تصريحات الصندوق حدًا لأي جدل حول “وتيرة الرؤية”.
الرسالة الدولية واضحة: السعودية دخلت مرحلة “النضج الاستراتيجي”، حيث لم يعد الهدف هو “الإنجاز بأي ثمن”، بل “الإنجاز المستدام”.
وتأييد غورغييفا لـ “الفرملة الذكية” يؤكد أن رؤية 2030 ليست وثيقة مقدسة جامدة، بل كائن حي يتطور ويتكيف، وأن الحكمة تقتضي أحيانًا التمهل في خطوة.
للقفز وثباتٍ أطول في المستقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك