أثار مقترح طرحته نائبة بمجلس الشيوخ المصري بإنشاء" بنك وطني للأنسجة"، مع التوسع في التبرع بالجلد بعد الوفاة لصالح مصابي الحروق المتقدمة وتيسير إجراءاته، موجة واسعة من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المحلية خلال الأيام الماضية.
وبينما رأى مؤيدون أن المشروع يُمثّل ضرورة طبية وإنسانية ملحّة لإنقاذ آلاف المرضى سنوياً وتطوير منظومة علاج الحروق في مصر، اعتبر معارضون أنه يثير مخاوف تتعلق بـ" حُرمة الجسد" وإمكانية إساءة الاستخدام أو فتح الباب أمام الاتجار غير المشروع بالأعضاء، ما عمّق حالة الانقسام حول المقترح.
وفتح المقترح الباب أمام إعادة مناقشة ملف تيسير إجراءات التبرع بعد الوفاة، في خطوة أعادت تسليط الضوء على التحديات القانونية والاجتماعية والأخلاقية التي تحيط بهذا الملف الحيوي.
ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه آلاف الأسر تعاني صعوبات في العثور على متبرعين أو توافق ملائم لعمليات زراعة الأعضاء، رغم مرور نحو 16 عاماً على صدور قانون تنظيم زرع الأعضاء البشرية عام 2010، والذي أقرّته مصر دون أن يشهد تفعيلاً فعلياً حتى الآن.
بدأ الجدل مع تقدّم عضو مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان المصري) أميرة صابر، بمقترح لإنشاء" بنك وطني للأنسجة البشرية"، على رأسها الجلد، بهدف إنقاذ آلاف المصابين بالحروق الشديدة، وتقليل فاتورة الاستيراد التي تتحملها الدولة سنوياً لتوفير الجلد البشري من الخارج لإجراء مئات العمليات الجراحية، والتي قد تصل تكلفة الحالة الواحدة منها إلى نحو مليون جنيه (21 ألف دولار).
وأوضحت أميرة صابر، في تصريحات لـ" الشرق"، أن المقترح يتضمن مسارين: الأول إنشاء بنك وطني للأنسجة البشرية باعتباره ضرورة طبية ملحّة في ظل غياب هذا النوع من البنوك في مصر، والثاني إعادة فتح النقاش بشأن تفعيل منظومة التبرع وزراعة الأعضاء، سواء من الأحياء أو بعد الوفاة، عبر آليات واضحة.
ويُقصد بالتبرع بالجلد استخدام أنسجة مأخوذة من متبرع لعلاج مرضى فقدوا مساحات واسعة من الجلد، غالباً بسبب الحروق المتقدمة أو الجراحات الكبرى أو غيرها من الأسباب.
وأشارت أميرة صابر، التي أعلنت تبرعها بالجلد بعد الوفاة، إلى أن وجود قاعدة بيانات رقمية موثّقة للراغبين في التبرع بالأنسجة أو الأعضاء، مع إدراج خيار إثبات الرغبة في بطاقة الرقم القومي، من شأنه تنظيم العملية وضمان تنفيذها بشفافية، لافتة إلى أن هذا الأمر من شأنه إنقاذ حياة الكثيرين ممن يحتاجون إلى أعضاء ولا يجدون متبرعين بنسب التوافق المطلوبة.
واستطردت قائلة إنه" لا توجد بنية تحتية واضحة ترشد الراغبين في التبرع بأعضائهم إلى المسار القانوني السليم أو الخطوات الإجرائية المطلوبة لإتمام ذلك".
منوهة إلى أنها تسعى لفتح نقاش بشأن إعادة تفعيل قانون تنظيم زرع الأعضاء البشرية الصادر عام 2010، رغم مرور نحو 16 عاماً على إقراره، وما يقارب 15 عاماً على صدور لائحته التنفيذية، دون أن يشهد التطبيق المأمول.
وبحسب القانون رقم 5 لسنة 2010 لتنظيم زرع الأعضاء البشرية، والمُعدل بالقانون رقم 142 لسنة 2017، ولائحته التنفيذية رقم 93 لسنة 2011، تشير المادة الثانية إلى" جواز نقل أي عضو أو جزء من عضو أو نسيج من جسم إنسان حي بقصد زرعه في جسم إنسان آخر، في حالة الضرورة التي تقتضي المحافظة على حياة المتلقي أو علاجه من مرض جسيم"، في حين تنص المادة 14 على" جواز نقل أي عضو أو جزء من عضو أو نسيج من جسد ميت، بعد ثبوت الوفاة بإجماع الآراء من لجنة ثلاثية من الأطباء المتخصصين".
من جانبه، أكد المتحدث باسم وزارة الصحة المصرية الدكتور حسام عبد الغفار، أن الإطار القانوني قائم ويجيز التبرع بالأعضاء والأنسجة بعد الوفاة بشرط ثبوت الوفاة طبياً، ووجود موافقة موثّقة من المتوفى قبل وفاته أو من ذويه، مع تجريم الاتجار بصوره كافة، مشيراً إلى أن" التحدي الحقيقي يكمن في التنظيم وبناء الوعي المجتمعي، وهو ما تعمل عليه الدولة في الوقت الحالي".
وأضاف عبد الغفار أن إنشاء بنك وطني للأنسجة، وعلى رأسها بنك الجلد، يُمثّل خطوة أساسية لإنقاذ مرضى الحروق، لا سيما الأطفال، في ظل معدلات إصابة مرتفعة محلياً.
وتابع بالقول: " لتبسيط المفهوم للمواطنين، فإن الأنسجة عبارة عن مجموعات من الخلايا المتشابهة هيكلياً تعمل معاً لأداء وظيفة محددة في الجسم، إذ تُعد المكوّن الأساسي للأعضاء.
ومن بين هذه الأنسجة يأتي الجلد، الذي يُستخدم طبياً كعلاج منقذ للحياة في حالات الحروق الشديدة".
ولفت عبد الغفار إلى أن الإحصاءات الطبية تضع مصر ضمن الدول التي تسجل معدلات مرتفعة من إصابات الحروق، لا سيما بين الأطفال، حيث تقع غالبية الحوادث داخل المنازل، مؤكداً أن المرضى الذين يفقدون مساحات واسعة من الجلد قد لا يتوافر لديهم ما يكفي من أنسجتهم لإجراء" الترقيع الذاتي"، ما يجعل الجلد المُتبرع به خياراً مهماً وفرصة حقيقية للنجاة.
وبحسب منظمة الصحة العالمية، تسببت الحروق في وفاة نحو 180 ألف شخص سنوياً حول العالم، معظمهم في دول متوسطة ومنخفضة الدخل.
بينما أشارت تقديرات طبية إلى أن نحو 0.
1% من سكان مصر يتعرضون سنوياً لحروق جسيمة تتطلب تدخلاً طبياً متخصصاً.
فيما تفيد بيانات" مؤسسة أهل مصر" بتسجيل نحو 100 ألف حالة حروق سنوياً، مع معدل وفيات يصل إلى 37% من ضحايا الحروق.
وبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري، بلغ عدد حوادث الحريق في مصر خلال عام 2025 نحو 51 ألفاً و29 حادثة، أسفرت عن 180 حالة وفاة، علماً بأن هذه الأرقام تعكس حوادث الحريق عموماً، وليست حصراً لحالات الحروق الطبية.
وفي هذا السياق، أشار عبد الغفار إلى أن وزارة الصحة المصرية تعمل على إنشاء" منظومة وطنية متكاملة لبنوك الأنسجة"، يتصدرها بنك الجلد، ضمن خطة تطوير" مدينة النيل الطبية" (تطوير معهد ناصر)، مع اعتماد بروتوكولات وإجراءات طبية تضمن أعلى معايير السلامة والجودة.
وشدد على أن المنظومة المرتقبة ستخضع لرقابة كاملة وضمانات صارمة للشفافية في جميع مراحل التبرع والاستخدام، بالتنسيق مع المؤسسات الدينية الرسمية، لافتاً إلى أن الوزارة بدأت بالفعل في تدريب الكوادر الطبية ورفع كفاءة وحدات علاج الحروق دعماً لهذه الخطة.
هل يتسبب التبرع بالجلد في تشويه الجثمان؟ومنذ طرحت عضو مجلس الشيوخ أميرة صابر المقترح، تصاعد الجدل على منصات التواصل الاجتماعي ووصل إلى حد التشكيك في مشروعيته بدعوى أنه يفضي إلى تشويه جثمان المتوفى.
غير أن المتحدث باسم وزارة الصحة المصرية نفى ذلك، مؤكداً أن التبرع بالجلد بعد الوفاة لا يسبب أي تشوه للجثمان.
وأوضح عبد الغفار أن" الإجراء يقتصر على أخذ طبقات سطحية دقيقة للغاية من مناطق غير ظاهرة في الجسم، مع بقاء الطبقات العميقة المسؤولة عن الشكل الخارجي سليمة تماماً"، مشيراً إلى أن" الجثمان يُرمم طبياً بما يحفظ كرامة المتوفى ولا يؤثر على إجراءات الغُسل أو التكفين أو الدفن".
وشدد على أن" التبرع بالأنسجة بعد الوفاة لا يتعارض مع الكرامة الإنسانية أو التعاليم الدينية، بل يُعد عملاً إنسانياً نبيلاً يسهم في إنقاذ حياة المرضى ومنحهم فرصة جديدة للشفاء".
وفي حين أكد عبد الغفار على أهمية التبرع في إنقاذ المرضى، أوضح استشارى الأمراض الجلدية ورئيس الجمعية المصرية للأمراض الجلدية والتناسلية، الدكتور عمر عزام، أن مفهوم التبرع بالجلد لا يعني" سلخ المُتبرع" كما يزعم البعض، بل يقتصر على أخذ عينة محدودة من الجلد تُعالَج وتُستزرع معملياً داخل وحدات متخصصة، في درجات حرارة منخفضة للغاية باستخدام النيتروجين، بما يسمح بتكاثر الخلايا وتجهيزها للاستخدام الطبي.
وأشار عزام، في تصريحات لـ" الشرق"، إلى أن هذه الأنسجة تُستخدم في الحالات الحرجة التي تتجاوز فيها نسبة الحروق 50% أو 70% من مساحة الجسم، حيث يكون التدخل الفوري ضرورة لإنقاذ حياة المصاب.
وأضاف أن" التبرع بالجلد مُطبَّق منذ سنوات في عدد من الدول الأوروبية، وأثبت فاعليته في خفْض معدلات الوفاة والمضاعفات.
ونبَّه إلى أن" مرضى الحروق يكونون أكثر عُرضة للعدوى والتسمم الدموي، وأن توفير جلد جاهز للاستخدام خلال المرحلة الحرجة يُمثّل عنصر حماية أساسياً، خاصة أن تنمية الجلد معملياً تستغرق وقتاً لا يتناسب مع طبيعة الإصابات الطارئة، واصفاً إنشاء" بنك وطني للأنسجة" بأنه" أولوية قصوى"، باعتباره عاملاً حاسماً في تقليص الفجوة بين الإصابة والتدخل العلاجي، وإنقاذ أرواح قد تُفقد بسبب غياب مخزون جاهز من الجلد الطبي.
الجلد.
خط الدفاع الأول عن حياة الإنسان.
بدورها، أكدت مؤسس ورئيس مجلس أمناء مؤسسة ومستشفى" أهل مصر" لعلاج الحروق، هبة السويدي، أن الجلد يُمثّل خط الدفاع الأول عن حياة الإنسان، إذ يمنع فقدان السوائل والدم، وأي فقدان واسع له قد يؤدي إلى اضطراب حاد في الدورة الدموية يهدد الحياة.
وأضافت هبة السويدي، في تصريحات لـ" الشرق"، أن الجلد يعمل كحاجز طبيعي ضد العدوى، وغيابه يجعل المريض أكثر عُرضة للميكروبات والتلوث، بما ينعكس مباشرة على فرص التئام الجروح والبقاء على قيد الحياة، معتبرة أن التبرع بالجلد قد يكون في بعض الحالات الفارق الحاسم بين الحياة والموت.
وأكملت قائلة إن نسب نجاة حالات الحروق الخطرة في مصر لا تتجاوز 20%، مقارنة بما يصل إلى 90% في بعض الدول، مرجعة هذا التفاوت إلى توافر زراعة الجلد الطبيعي هناك، في مقابل غياب بنك أنسجة محلي يوفر الجلد في الوقت المناسب.
وأوضحت أن التحدي يصبح أكثر خطورة في حالات الأطفال الرضع، حيث قد لا تتوافر أي مناطق سليمة في أجسامهم يمكن استخدامها للترقيع الذاتي، مشددة على أن إنشاء بنك أنسجة داخل مصر من شأنه خفض معدلات الوفيات بشكل ملموس، ومنح الأطباء فرصة للتدخل السريع بدلاً من انتظار الاستيراد بتكلفة مرتفعة، أو فقدان حياة المريض تحت ضغط عامل الوقت.
ولفتت هبة السويدي إلى أن استيراد الأنسجة من بنوك متخصصة في أوروبا والولايات المتحدة مكلف للغاية، فضلاً عن تعقيدات لوجستية، إذ يتطلب شحن الجلد وحفظه في درجات حرارة تصل إلى 80 درجة مئوية تحت الصفر، باستخدام تجهيزات وتقنيات خاصة ترفع الكلفة بشكل كبير.
وبيَّنت أن" عملية زراعة الجلد الطبيعي وحدها قد تصل تكلفتها إلى نحو مليون جنيه للمريض الواحد في حال الاستيراد"، مشيرة إلى أن" أحد الناجين من الحروق الشديدة، ويُدعى إبراهيم السعيد، والذي خرج من المستشفى مؤخراً، بلغت تكلفة علاجه نحو 3 ملايين و600 ألف جنيه (نحو 77 ألف دولار)، بخلاف تكاليف الرعاية اليومية اللاحقة للجراحة، والتي تُقدَّر بنحو 50 ألف جنيه (ما يزيد على ألف دولار)".
وفي خضم حالة الجدل التي أعقبت طرح المقترح، شددت هبة السويدي على" الحاجة الملحّة" إلى تعزيز التوعية المجتمعية بأهمية التبرع بالأعضاء والأنسجة، معتبرة أن الأمر لا يتعلق بالجلد فحسب، بل بثقافة إنقاذ حياة.
كما دعت المؤسسات الدينية إلى الاضطلاع بدور أكبر في تصحيح المفاهيم المغلوطة وتوضيح الأطر الشرعية الداعمة للتبرع.
ما موقف دار الإفتاء المصرية من التبرع بالجلد أو الأعضاء؟وبينما أبدى البعض تحفظات تتعلق بـ" الشرعية الدينية" للتبرع بالجلد أو بالأعضاء عموماً، كانت دار الإفتاء المصرية قد حسمت هذه المسألة في فتاوى سابقة، تناولت حكم التبرع بالأعضاء ونقلها من إنسان إلى آخر، سواء من الحي إلى الحي أو من المتوفى إلى الحي.
وأوضحت دار الإفتاء أن التبرع بعضو أو جزء من عضو من إنسان حي إلى آخر جائز شرعاً، بشرط أن يقرر طبيب مختص موثوق به أن الإجراء لا يترتب عليه ضرر بالمتبرع، وأنه يحقق مصلحة للمتلقي، كإنقاذ حياته أو علاجه من مرض جسيم.
كما أجازت نقل عضو من المتوفى إلى إنسان حي إذا ترتب على ذلك منفعة ضرورية لا بديل لها للمنقول إليه، على أن يثبت ذلك بقرار من طبيب متخصص موثوق، بما يراعي الضوابط الشرعية والطبية معاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك