يشهد موقف الولايات المتحدة من إسبانيا تحوّلاً ملحوظاً في لهجته داخل حلف شمال الأطلسي، بعدما وصف السفير الأميركي لدى الناتو ماثيو ويتاكر إسبانيا بأنها" حليف ملتزم" يحقق" تقدماً كبيراً على المدى القصير".
وكان هذا التصريح صباح اليوم الثلاثاء، خلال حديث مع الصحافيين في بروكسل، عشية اجتماع وزراء دفاع دول الحلف المقرر عقده يوم الخميس، وهو أول اجتماع وزاري للناتو هذا العام.
وجاءت هذه التصريحات في سياق مراجعة التقدّم الذي أحرزته الدول الأعضاء في تنفيذ التعهدات التي أُقرت خلال قمة لاهاي في يونيو/حزيران 2025، حين اتفق الحلفاء على رفع إنفاقهم الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، وهو الالتزام الذي رفضت إسبانيا تبنّيه.
فقد تمسّك رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز بموقف بلاده الرافض لهذه النسبة، ونجح في انتزاع استثناء وافق عليه الأمين العام للناتو، الهولندي مارك روته، يسمح لمدريد بتحديد مستوى إنفاقها الذي تراه مناسباً، والمقدر بنحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي، شريطة الوفاء بأهداف القدرات العسكرية التي أقرّها الحلف.
وكان هذا الاستثناء قد أثار حينها غضب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي وجّه انتقادات علنية ومتكررة لإسبانيا، متهماً إيّاها بمحاولة" الاستفادة" من بقية الحلفاء، وذهب إلى حدِّ التهديد بفرض رسوم جمركية عليها إذا لم تلتزم بمطالب واشنطن، قبل أن يجدد هجومه خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بأواخر يناير/كانون الثاني الماضي، حين قال إن جميع دول الناتو وافقت على رفع إنفاقها الدفاعي إلى 5% باستثناء إسبانيا.
وعلى الرغم من هذه الخلفية المتوترة، حرص ويتاكر على اعتماد نبرة أكثر هدوءاً، مؤكداً أن الولايات المتحدة ترى إسبانيا شريكاً موثوقاً داخل الحلف، وأنَّ الحوار بين واشنطن ومدريد مستمر ومنتظم، سواء في الإطار الأطلسي أو على المستوى الثنائي.
وفي الوقت نفسه، لم يُخفِ السفير الأميركي تشكك بلاده، ومعها عدد من الدول الأعضاء، في قدرة إسبانيا على الوفاء بالتزاماتها العسكرية بالاكتفاء بنسبة إنفاق تقارب 2%، موضحاً أن تقديرات الناتو التقنية تشير إلى أن تنفيذ أهداف القدرات العسكرية، من دبابات ومدفعية وقوات بشرية، يتطلب إنفاقاً فعليًا يناهز 3.
5% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع، إضافة إلى نحو 1.
5% مخصصة للبنية التحتية والمرونة.
وأضاف ويتاكر بنبرة ساخرة أن واشنطن لا تعتقد بإمكانية تحقيق هذه الأهداف بكلفة أقل، لكنه قال إنه إذا تمكنت إسبانيا من ذلك" فسيكون أمراً رائعاً، ونود أن تشرح لنا كيف يمكن فعل ذلك"، مؤكداً في الوقت ذاته أن الناتو يعتمد آليات دورية لمراجعة الإنفاق والخطط الدفاعية للدول الأعضاء.
وفي هذا الإطار، زار فريق من خبراء الحلف مدريد قبل نحو أسبوعين لإجراء مراجعة تقنية أولية لتقدم إسبانيا في تنفيذ التزاماتها، ولم تُسجل حتى الآن اعتراضات رسمية، وهو ما ساهم في تهدئة الخطاب الأميركي.
ويعكس هذا التوازن في المواقف سعي قيادة الناتو إلى احتواء التوترات الداخلية والحفاظ على تماسك الحلف، في وقت تحاول فيه إسبانيا الموازنة بين الضغوط الأميركية المتصاعدة والاعتبارات الاقتصادية والسياسية الداخلية، مع الاستمرار في زيادة إنفاقها الدفاعي مقارنة بما كان عليه قبل عقد من الزمن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك