رغم التحديات الاقتصادية وارتفاع تكاليف العيش، لا يزال هدر الطعام في الأردن يشكّل مفارقة كبيرة.
وكشفت ثلاث دراسات أجرتها وزارة الزراعة ودائرة الإحصاءات العامة في الأردن وبرنامج الأغذية العالمي، أن الهدر يرتبط في كثير من الأحيان بسلوكيات استهلاكية وفردية وأحياناً بعادات اجتماعية، وأن المنازل تعد المصدر الأكبر لهدر الغذاء بمعدل نحو 81.
3 كيلوغراماً للفرد، وهذا رقم مرتفع قياساً بمستوى الدخل ومتوسط الإنفاق الأسري في الأردن.
وسجلت أكبر نسب هدر في محافظة الزرقاء (وسط)، وأقلها في محافظة عجلون (شمال).
وأرجعت الدراسة الهدر إلى أنماط استهلاك غير رشيدة وعادات شراء مبالغ فيها، وضعف التخطيط للوجبات، وسوء إدارة الطعام في المنازل، حيث تُشترى كميات تفوق الحاجة الفعلية فينتهي جزء كبير منها في سلة المهملات.
وفي المطاعم، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، إذ أظهرت دراسة شملت 896 مطعماً في محافظات المملكة، أن الهدر الغذائي بلغ نحو 12.
291 طناً، وأن نسبته الأكبر تحصل خلال مرحلتي التجهيز والإعداد نتيجة سوء التخطيط، وضعف إدارة المشتريات، وعدم القدرة على إعادة تدوير الطعام الفائض.
كما يلعب سلوك الزبائن والموظفين دوراً واضحاً في الهدر، إذ تُقدَّم حصصاً أكبر من الاحتياجات بسبب العادات الاجتماعية و" التوجيب"، فيتحول الطعام من رمز للكرم إلى عبء بيئي واقتصادي.
وليس قطاع المستشفيات بعيداً عن هذه الظاهرة، إذ حددت الدراسات إجمالي الهدر الغذائي السنوي في المستشفيات الأردنية بنحو 1.
302 طن، ما يعكس الحاجة إلى إعادة النظر في أنظمة التغذية والتوريد، وضبط حجم الحصص، وتطوير آليات طلب أكثر كفاءة.
ويرى الاختصاصي الاجتماعي الدكتور حسين الخزاعي، في حديثه لـ" العربي الجديد"، أن هدر الطعام في الأردن لا يمكن فصله عن المؤثرات الاجتماعية وسلوك الناس، ويقول: " يجب ألا تهدر أي لقمة طعام في الأردن، خصوصاً أن مداخيل نسبة 28% من المواطنين تقل عن 300 دينار (نحو 420 دولاراً)، و75% منهم يحصلون على رواتب أقل من 500 دينار (700 دولار).
يتابع: " ذوو الدخل المحدود هم الأكثر حرصاً على الطعام والإفادة منه، بينما يرتبط الهدر غالباً بطبقات اجتماعية معيّنة لا تشعر بثقل الكلفة الاقتصادية".
وبحسب الخزاعي تتمثل جذور المشكلة في العادات الاجتماعية التي تربط الكرم بالإسراف، خاصة في المناسبات الاجتماعية والولائم الكبيرة، ولا يزال البعض يعتقد بأن إكرام الضيف يُقاس بكمية الطعام حتى لو كان مصيره القمامة.
ولا يتوقف الأمر عند المنازل، إذ تقدم مطاعم كثيرة كميات أكبر من الحاجة بسبب الزبون، بدافع العادات والضغط الاجتماعي، وأحياناً لتحقيق مزيد من المكاسب، ويربط البعض قيمة الشخص بحجم ونوعية الطعام المقدّم له، فيما يخشى آخرون تقليل الكميات خوفاً من الوصمة أو الانتقاد الاجتماعي".
ويشير إلى مفارقة أخرى تتمثل في لجوء أسر إلى الاستدانة خلال شهر رمضان لإقامة موائد إفطار كبيرة للحفاظ على العادات والتقاليد رغم محدودية الدخل.
وتكشف تقديرات أن بين 25 و30% من الطعام يُهدر في الأردن خلال شهر رمضان، في وقت يُفترض فيه أن يكون هذا الشهر مناسبة لتعزيز قيم الترشيد والتكافل، ويدعو الخزاعي إلى تفعيل ثقافة الاعتذار عن الدعوات المبالغ فيها، وإعداد الطعام بقدر الحاجة فقط، مؤكداً أن الاعتذار لا ينتقص من الكرم، بل يعكس وعياً ومسؤولية أخلاقية واجتماعية.
ويحذّر الخزاعي من أن" التخلص من الطعام المهدر يعني استنزاف المياه والطاقة المستخدمة في إنتاجه، وزيادة حجم النفايات، ما يفاقم الأضرار البيئية والاقتصادية".
ويؤكد أن" القضية تمثل أزمة ثقافية واجتماعية تتطلب تغيير المفاهيم، علماً بأن الكرم الحقيقي لا يظهر في إعداد طعام لا يُؤكل، بل في مشاركته مع آخرين".
وفي مواجهة هذا الواقع، برزت مبادرات أهلية تسعى إلى تحويل فائض الطعام إلى فرصة للتكافل.
ويقول المدير التنفيذي لجمعية" بسمة الحياة" الخيرية، المهندس يحيى أبو ذياب لـ" العربي الجديد": " وزعت الجمعية عبر مشروع حفظ النعمة نحو مليون و170 ألف وجبة منذ إبريل/نيسان 2022.
وهو الأول من نوعه في الأردن، ويتميّز بتقديم الطعام لعائلات مستورة ومحدودة الدخل بنظام البوفيه المفتوح، ما يحفظ كرامة المستفيدين ويمنحهم حرية الاختيار".
ويشرح أن" فكرة المشروع جاءت من أهمية استدامة الأمن الغذائي عبر حلول مؤسساتية طويلة المدى لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وفي مقدمها محاربة الجوع والفقر الغذائي.
وتعتمد الجمعية التي تأسست بوصفها مبادرة تطوعية عام 2008 قبل أن تُرخص رسمياً عام 2021، على أنظمة سلامة غذائية عالمية لتوزيع الطعام، وتعمل بإشراف المؤسسة العامة للغذاء والدواء وفق أعلى معايير السلامة الغذائية لجمع فائض الطعام من الفنادق والمطاعم ونقله بسيارات مبردة إلى مراكز توزيع.
وهي تسعى إلى جعل العمل التطوعي مؤسساتياً ومستداماً، علماً بأنه يتطلب تعزيز الوعي بقيمة الغذاء والحفاظ على النعمة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك