كشف تقرير المجلس الأعلى للحسابات برسم سنتي 2024-2025 عن صورة مقلقة لوضعية النقل العمومي عبر الطرق، مسلطا الضوء على اختلالات عميقة تطبع برامج تجديد حظيرة الحافلات، وتدبير المحطات الطرقية، وتنظيم عمليات العبور والانطلاق، بما ينعكس سلبا على السلامة الطرقية وجودة الخدمات المقدمة للمسافرين.
وأكد التقرير أن تحديث حظيرة الحافلات يشكل شرطا أساسيا وحاسما لتحسين السلامة الطرقية والارتقاء بجاذبية المحطات الطرقية، وهو ما دفع إلى إحداث منح تحفيزية لفائدة مهنيي النقل، في إطار برامج تجديد حافلات النقل العمومي للمسافرين.
وفي هذا السياق، بلغت المنحة المخصصة للمركبة الواحدة، في إطار برنامج «الحافلة الآمنة» للفترة 2024-2026، ما يصل إلى مليون درهم، بهدف اقتناء حافلات جديدة أو مستعملة يقل عمرها عن سبع سنوات، ومزودة بمعدات السلامة وأنظمة مساعدة القيادة.
غير أن التقرير سجل، في المقابل، ضعفا واضحا في وتيرة تنزيل هذه البرامج، حيث رصدت المجالس الجهوية للحسابات تباطؤا في تنفيذ التدابير الرامية إلى تقليص متوسط عمر الحظيرة الوطنية من 13 سنة إلى أقل من 10 سنوات في أفق 2026.
وأبرزت المعطيات أن مجموع الحافلات المستفيدة من برنامج التجديد والتكسير خلال الفترة الممتدة بين 2020 و2024 لم يتجاوز 149 حافلة، أي ما يمثل نسبة ضعيفة جدا لا تتعدى 6 في المائة من إجمالي الحافلات المتواجدة في وضعية اشتغال.
وسجل التقرير أن عدد الحافلات التي تم تجديدها برسم سنة 2024 لم يتجاوز ثماني حافلات فقط، في حين تراوحت نسبة استعمال اعتمادات التجديد بين 0,5 و0,7 في المائة، وهو ما يعكس محدودية كبيرة في تفعيل هذا الشق من البرنامج.
بالمقابل، استحوذت عمليات التكسير على النصيب الأكبر، حيث استفادت 141 حافلة، مع نسب استعمال للاعتمادات تراوحت بين 1,4 و2,6 في المائة، وهي حصيلة اعتبرها التقرير ضعيفة بالنظر إلى الأهداف المعلنة.
وعزا المجلس الأعلى للحسابات هذه المحدودية إلى مجموعة من الصعوبات التي يواجهها مهنيّو النقل، من بينها تعقيد شروط الاستفادة، خاصة تلك المرتبطة بتسوية الوضعية الجبائية لدى الإدارة العامة للضرائب، إضافة إلى إلزامية اقتناء مركبات تتوفر بحكم صنعها على بطاقة السلامة، وهو ما يقلص من العرض المتاح في السوق الوطنية.
وخلص التقرير إلى أن هذا الوضع ينعكس سلبا على جاذبية المحطات الطرقية وقدرتها على استقطاب المسافرين، دون تمكين أصحاب المشاريع والجهات المانحة وباقي الشركاء من بلوغ النجاعة المطلوبة في تمويل مشاريع التجهيز وتحديث البنيات التحتية وتحسين أساليب التدبير.
وفي ما يتعلق بالمحطات الطرقية، شدد التقرير على أن رضا المرتفق يرتبط بالدرجة الأولى بتجربة السفر بالحافلة قبل شروط الراحة داخل المحطة، وهو ما يضع مسألة تنظيم الاستغلال وضمان السلامة في صلب أي تصور للجيل الجديد من هذه المرافق.
غير أن المجلس سجل غياب مسطرة موحدة وفعالة للموافقة على الاستغلال الإجباري للمحطات الطرقية، إلى جانب عدم برمجة مراقبات بعدية للحفاظ على الشروط التقنية للمرفق من طرف أرباب الحافلات.
كما رصدت المجالس الجهوية للحسابات تعدد المساطر والوثائق المطلوبة لاستصدار قرار وزير النقل القاضي بإلزامية استعمال المحطات الطرقية، وهي وثائق تستند، في كثير من الأحيان، إلى تأويلات واجتهادات إدارية من طرف الجماعات، بالاعتماد على ملفات مماثلة سابقة، خاصة في حالات محطات مراكش وأكادير وطنجة وتطوان.
وسجل التقرير أن الشروع في إنجاز الأشغال لا يتم غالبا إلا بعد تسلم المرفق، ما يؤدي إلى برمجة نفقات إضافية لإنجاز أشغال تكميلية استجابة لملاحظات الأطراف المدعوة لمعاينة المرفق خلال مسطرة المصادقة.
وأشار التقرير إلى أن وزارة الداخلية خصصت، عبر المديرية العامة للجماعات الترابية، غلافا ماليا يناهز 11 مليون درهم لتحمل هذه النفقات، ضمن كلفة إجمالية بلغت أزيد من 14 مليون درهم، في إطار الاتفاقية الإطار لسنة 2020 المتعلقة بمحطات الجيل الجديد، وهو ما يعكس كلفة إضافية ناتجة عن ضعف التخطيط المسبق وغياب التنسيق المحكم.
كما سجل غياب عمليات مراقبة دورية للتحقق من مدى التزام مسيري المحطات الطرقية بالشروط التقنية ومعايير الجودة التي مكنت المرفق من الحصول على القرار الوزاري، وهو ما أفضى إلى إدخال تغييرات غير مرخصة على منشآت بعض المحطات، دون مراجعة القرارات الوزارية، كما هو الحال في محطات مراكش وبوجدور وآسفي وقلعة السراغنة.
وعلى مستوى التنظيم المركزي للعمليات المرتبطة بالنقل داخل المحطات الطرقية، أبرز التقرير غياب التنسيق بين المحطات بشأن تنظيم الخطوط والرحلات، وعدم تتبع وقياس مدد التأخير في الوصول والانطلاق، فضلا عن غياب التواصل حول المواقيت المتوقعة لعبور الحافلات، وعدم التنسيق المسبق بشأن تخصيص الأرصفة، ما يؤدي إلى اختلالات متكررة في تدبير الحركة داخل هذه المرافق.
وأشار المصدر ذاته، إلى أن المحطات الطرقية تشتغل كوحدات مرفقية منفصلة وغير مترابطة، مع تركيزها على استخلاص واجبات الاستغلال وتدبير الدخول والخروج، في غياب سلطة ضبط تضع إطارا معياريا موحدا لمختلف العمليات التقنية والتجارية، وتسهر على التنسيق الآني لشؤون الخدمات المقدمة، وهو ما يحول دون إرساء الانسجام والتكامل بين المحطات، على غرار ما هو معمول به في محطات السكك الحديدية والمطارات.
كما نبه التقرير إلى إحداث وتشغيل مجموعة من المحطات الطرقية الخاصة للمسافرين خارج الضوابط القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل، حيث بلغ عددها 15 محطة تُستعمل من طرف شركات دون ترخيص مسبق من السلطة الحكومية المكلفة بالنقل، في منافسة مباشرة للمحطات الطرقية العمومية المحدثة من طرف الجماعات الترابية، مع تسجيل أنشطة غير منظمة تتعلق ببيع التذاكر وإنزال وإركاب المسافرين.
ودعا المجلس الأعلى للحسابات إلى ضرورة وضع معايير مؤطرة لنظام مواقيت انطلاق وعبور الحافلات إلى المحطات الطرقية، في ظل غياب توزيع عقلاني للمواقيت، وما يترتب عنه من نزاعات دائمة بين الناقلين، خاصة في المحطات الكبرى كـمراكش والرباط وطنجة وتطوان والصويرة، بما يقوض انتظام الخدمات وشفافيتها ويؤثر على جودة تجربة السفر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك