يقوم النظام القانوني الدولي الحديث على منظومةٍ من المبادئ الأساسيّة التي صُمّمت لمنع تكرار العدوان الإقليمي الذي ميّز النصف الأوّل من القرن العشرين؛ وفي صميم هذه المنظومة يبرز حظر استخدام القوّة أو التهديد بها ضدّ السلامة الإقليمية للدول بوصفه قاعدةً تأسيسيةً لا غنى عنها.
غير أنّ قيمة هذه القاعدة لا تتجلّى في صياغتها النظرية وحدها، بل في قدرتها على الصمود عندما تُستدعى إلى ساحة الممارسة السياسية وتُختبر أمام خطابات النفوذ والإكراه.
وفي هذا السياق، عندما رفض الرئيس ترامب مراراً استبعاد اللجوء إلى العمل العسكري للاستيلاء على غرينلاند، وأُتبِعت تلك التصريحات ببياناتٍ رسميةٍ تُلمّح إلى بقاء الخيارات العسكرية مُتاحةً للقائد الأعلى للقوات المسلحة، أثار ذلك أسئلةً جدّية بشأن مدى صلابة هذا الحظر وفعاليته العملية في مواجهة الخطاب السياسي القسري.
يتطلّب تقييم مثل هذه المطالب مقاربةً معياريةً مُتعدّدة المستويات، تشمل: حظر التهديد باستخدام القوّة أو استخدامها وفق المادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة، والحظر الصريح للاستيلاء على الأراضي بالإكراه كما ورد في إعلان العلاقات الودية لعام 1970، ثم ما يتّرتب على انتهاك القواعد الآمرة من التزاماتٍ شاملة تتجاوز أطراف النزاع المباشر.
تُقيّم هذه المقالة الوضع القانوني للمطالب الإقليمية القسرية في ضوء أحكام الميثاق والقانون الدولي العرفي، مُستندةً إلى الأطر العقائدية التي أرستها محكمة العدل الدولية وإلى التفسير الفقهي المُعاصر لهذه المعايير المؤسّسة.
حظر استخدام القوّة والتهديد بها بوصفه معياراً آمراً.
تنصّ المادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة على التزامٍ محوري يُلزم جميع الدول بالامتناع في علاقاتها الدولية عن التهديد باستخدام القوّة أو استخدامها ضدّ السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأيّ دولة.
ولا يقتصر هذا الحظر على كونه التزاماً تعاهدياً مُلزماً لأعضاء الأمم المتحدة، بل اكتسب كذلك مكانة القاعدة العرفية، ثم ترسّخت دلالته بوصفه قاعدةً آمرة لا يجوز الخروج عليها.
وقد أكدت كلّ من محكمة العدل الدولية ولجنة القانون الدولي الطابع القطعي لهذا الحظر.
وفي قضية نيكاراغوا ضدّ الولايات المتحدة عام 1986، قُدّم إقرارٌ بأنّ مبدأ حظر استخدام القوّة الوارد في المادة 2 (4) قد غدا مُعترفاً به قاعدةً آمرة، كما قرّرت لجنة القانون الدولي أنّ قانون الميثاق المُتعلّق بحظر استخدام القوّة يُعدّ مثالاً بارزاً على قواعد تتسم بصفة الإلزام الأعلى في النظام القانوني الدولي.
وباعتبار هذا الحظر قاعدةً آمرة، فإنّه يُصنّف ضمن القواعد التي تُلزم جميع الدول بغضّ النظر عن أيّ اتفاقٍ مُخالف، بحيث لا يمكن الالتفاف عليه عبر معاهدة أو موافقة أو تسوية سياسية.
ويترتّب على ذلك أنّ أي مُعاهدة تُخالفه تُعدّ باطلة منذ نشأتها وفق المادة 53 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات.
وتعكس هذه المكانة القانونية اعتراف المجتمع الدولي بأنّ حظر استخدام القوّة يشكّل شرطاً بنيوياً لحماية السلم والأمن الدوليَين، وبأنه ينبغي أن يظلّ مطلقاً وعالمياً في جوهره.
لا يجوز لدولةٍ أن تستولي على أراضي دولةٍ أخرى نتيجة التهديد باستخدام القوّة أو استخدامها، كما لا يجوز الاعتراف بأي استيلاء من هذا النوع بوصفه قانونيّاً.
ولا ينحصر نطاق المادة 2 (4) في الاستخدام الفعلي للقوّة، بل يشمل أيضاً التهديد باستخدامها.
وقد تناولت محكمة العدل الدولية هذه المسألة بصورةٍ مباشرة في فتواها الاستشارية لعام 1996 بشأن مشروعية التهديد باستخدام الأسلحة النووية أو استخدامها، إذ قرّرت مبدأ تفسيرياً حاكماً مفاده أنّ التهديد باستخدام القوّة يكون غير مشروع إذا كان الاستخدام المُتصوَّر للقوّة، في الظروف ذاتها، غير مشروع.
وبعبارة أخرى، فإنّ مفهومي التهديد والاستخدام مترابطان ترابطاً معيارياً: عدم مشروعية الاستخدام تُنتج عدم مشروعية التهديد به.
ويُفضي ذلك إلى اختبارٍ تحليلي من مرحلتين: أولاً، هل يُعدّ استخدام القوّة الموعود به، لو وقع، مُخالفاً للقانون الدولي؟ ثانياً، إذا كانت الإجابة بالإيجاب، فإنّ التهديد به يُعدّ بدوره غير مشروع.
وعند تطبيق هذا الإطار على مطالب الاستيلاء على الأراضي بالقوّة العسكرية، تبرز نتيجةٌ تكاد تكون بديهية في القانون الدولي المعاصر.
فأيّ استخدام للقوّة للاستيلاء على إقليم دولةٍ ذات سيادة يُعدّ انتهاكاً مباشراً لحماية السلامة الإقليمية التي تُشكّل جوهر المادة 2 (4)، كما أنّه يفتقر إلى أيّ سندٍ قانوني ضمن الاستثناءَين اللذين يعترف بهما الميثاق: تفويض مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بموجب الفصل السابع، أو ممارسة الدفاع الفردي أو الجماعي عن النفس وفق المادة 51 رداً على هجومٍ مسلّح.
أما الذرائع القائمة على الضرورة الاستراتيجية، أو دفع تهديدات مُستقبلية افتراضية، أو تأمين الموارد والممرّات، فلا تُشكّل في القانون الدولي أساساً يبرّر استخدام القوّة أو التهديد بها للاستيلاء على أراضي الغير.
حظر الاستيلاء على الأراضي بالقوّة أو بالإكراه.
إلى جانب حظر التهديد باستخدام القوّة أو استخدامها، يُكرّس القانون الدولي مبدأ وثيق الصلة يتمثّل في عدم جواز الاستيلاء على الأراضي نتيجة القوّة أو التهديد بها؛ ويتمتّع هذا المبدأ بجذور تاريخية تعود إلى تبلور فكرة عدم الاعتراف بالمكاسب الإقليمية غير المشروعة خلال القرن العشرين.
ومن الدلالات اللافتة في هذا السياق أنّ الولايات المتحدة أسهمت مُبكّراً في ترسيخ هذا المنطق عبر عقيدة ستيمسون، التي صاغها وزير الخارجية هنري ستيمسون رداً على غزو اليابان منشوريا، ومفادها عدم الاعتراف قانوناً بالأوضاع الإقليمية الناشئة عن القوّة.
وقد غدا هذا الاتجاه أحد أعمدة النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.
تأسّس النظام الدولي بعد عام 1945 على افتراضٍ معياري: أنّ حظر استخدام القوّة ينطبق على الدول كافة، بما يقيّد القوي والضعيف معاً ويمنع تحويل القوّة إلى مصدرٍ للشرعية الإقليمية.
ويمثّل إعلان عام 1970 بشأن مبادئ القانون الدولي المُتعلّقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول، الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع، أبرز صياغة جامعة لهذا المبدأ؛ إذ يؤكّد الإعلان أنّه لا يجوز لدولةٍ أن تستولي على أراضي دولةٍ أخرى نتيجة التهديد باستخدام القوّة أو استخدامها، وأنه لا يجوز الاعتراف بأي استيلاء من هذا النوع بوصفه قانونيّاً.
وقد وصفت محكمة العدل الدولية عدم مشروعية الاستيلاء على الأراضي الناتج عن التهديد باستخدام القوّة أو استخدامها بأنّه نتيجةٌ طبيعية لمبادئ الميثاق المُتعلّقة باستخدام القوّة.
ولا يقتصر هذا الحظر على الغزو العسكري المباشر، بل يمتدّ إلى صور الإكراه التي تُنتج نقلاً إقليميّاً ظاهريّاً عبر أدواتٍ غير عسكرية أو عبر مزيج من وسائل الضغط.
فحتى لو توافرت موافقةٌ رسمية على نقل إقليم ما، فإنّ قيام هذه الموافقة تحت وطأة تهديداتٍ عسكرية أو ضغوطٍ قسرية تمسّ جوهر حرية الإرادة يُفرّغها من أثرها القانوني.
وتقرّر المادة 52 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات أنّ المعاهدة تكون باطلة إذا جرى الحصول عليها بالتهديد أو باستخدام القوّة بما يخالف مبادئ القانون الدولي المُكرّسة في ميثاق الأمم المتحدة.
وتؤكّد التحليلات المُعاصرة للتنازلات الإقليمية تحت الإكراه أنّ النقل الذي يجري في ظلّ قسرٍ سياسي أو عسكري لا يُنشئ حقاً قانونياً صحيحاً على الإقليم محلّ النقل، بل يُعامل بوصفه استيلاءً على الأرض بالقوّة، وهي ممارسة يحظرها القانون الدولي.
وبناءً عليه؛ سواء أكان الاستيلاء عبر عملٍ عسكريٍ صريح أم عبر اتفاقٍ مُبرم تحت الإكراه، فإنّ النتيجة القانونية واحدة: البطلان وانعدام الأثر.
الالتزامات الشاملة والآثار النظامية لانتهاك القواعد الآمرة.
لأنّ حظر الاستيلاء على الأراضي بالقوّة مُتفرّع عن قواعد آمرة، فإنّ خرقه يُنشئ التزاماتٍ تجاه المجتمع الدولي بأسره، لا تجاه الدولة المُتضرّرة وحدها.
وقد أكّدت محكمة العدل الدولية هذا المنحى في فتواها بشأن الجدار في الأراضي الفلسطينية المُحتلة، إذ أوضحت أنّه عند وقوع انتهاكٍ جسيم لقاعدةٍ آمرة، تترتّب على جميع الدول التزامات مُحدّدة تتمثّل في: عدم الاعتراف بأي وضعٍ نشأ عن هذا الانتهاك، والتعاون من أجل إنهائه، والامتناع عن تقديم أيّ عونٍ أو مساعدةٍ تُسهم في الإبقاء على الوضع غير القانوني.
إنّ كلّ تهديدٍ باستخدام القوّة لتحقيق مكاسب إقليمية يضعف القاعدة ذاتها ويُنتج أثراً مُعدياً في العلاقات الدولية، إذ يفتح المجال أمام تكرار المنطق نفسه في سياقاتٍ مُتعدّدة، بما يُعيد إحياء نمطٍ دولي تُقاس فيه الحقوق بالموازين العسكرية لا بالمعايير القانونية.
وقد تأسّس النظام الدولي بعد عام 1945 على افتراضٍ معياري: أنّ حظر استخدام القوّة ينطبق على الدول كافة، بما يقيّد القوي والضعيف معاً ويمنع تحويل القوّة إلى مصدرٍ للشرعية الإقليمية.
إنّ فعالية القواعد القانونية الدولية لا تقوم على سلامتها الشكلية وحدها، بل على التطبيق المُتسق والاستعداد لمُساءلة جميع الأطراف دون انتقائية.
وتتجلّى هنا مفارقةٌ ذات دلالة: أنّ الدولة التي شاركت في تصميم النظام الدولي القائم على قواعد، ودافعت عنه طويلاً، قد تبدو في لحظةٍ سياسيةٍ ما كمَن يتحدّى أسسه.
فمن جهة، شكّلت عقيدة ستيمسون مساهمةً أميركية في تأسيس مبدأ عدم الاعتراف بالمكاسب الإقليمية الناتجة عن القوّة.
ومن جهةٍ أخرى، صيغ ميثاق الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو في إطار تصوّرٍ قانوني يرمي إلى جعل القوّة استثناءً لا قاعدة.
وعندما يختلّ التوازن بين خطاب القوّة ومتطلّبات الالتزام، تتضرّر شرعية النظام القانوني الدولي من حيث مبدؤه المؤسّس القائم على عموميّة القواعد وتساوي الدول أمامها.
يفضي التقييم القانوني للمطالب القسرية بالاستيلاء على الأراضي، في ضوء ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي العرفي، إلى نتائج واضحة.
فالتهديد باستخدام القوّة العسكرية للاستيلاء على أراضٍ يُعدّ انتهاكاً للمادة 2 (4) التي تحظر التهديد باستخدام القوّة أو استخدامها ضدّ السلامة الإقليمية للدول، كما أنّ الغاية المُعلنة، أي الاستحواذ على أرضٍ بالقوّة أو بالإكراه، تتعارض مع الحظر المُقرّر في إعلان العلاقات الودية لعام 1970.
وحتّى في فرضية وجود تنازلٍ رسمي، فإنّ قيامه تحت الإكراه يفضي إلى بطلانه وفق اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات.
وبحكم اكتساب هذه المحظورات صفة القواعد الآمرة، فإنّ انتهاكها لا يبقى شأناً ثنائياً، بل يُنشئ التزاماتٍ على المجتمع الدولي بأسره تتمثّل في عدم الاعتراف، ورفض الإسناد، والتعاون لإنهاء الوضع غير القانوني.
إنّ فعالية القواعد القانونية الدولية لا تقوم على سلامتها الشكلية وحدها، بل على التطبيق المُتسق والاستعداد لمُساءلة جميع الأطراف دون انتقائية.
وسواء أدّت المطالب الإقليمية القسرية إلى إضعاف النظام القانوني الدولي أم أسهمت في تحفيز التزامٍ مُتجدّد بمبادئه، فإنّ ذلك يظلّ رهيناً بقدرة المجتمع الدولي على حماية القواعد التي صُمّمت لمنع عودة العدوان الإقليمي بوصفه وسيلةً مشروعة لإعادة رسم الحدود.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك