أفضى التوظيف الأميركي/ الإسرائيلي لاحتجاجات الشارع الإيراني، في الأسابيع الماضية، إلى تمكّن النظام الإيراني من إخماد جذوة المظاهرات، ولو مؤقتاً، بالتوازي مع إعادة إقليم الشرق الأوسط، إلى أتون الصراع الأميركي الإيراني مجدّداً، وبالتالي تصاعد/ تعقيد مستوى الصراعات الداخلية والإقليمية، التي جرى إبعادها (عمداً) عن مسارات الحلول التفاوضية/ الحوارية، والدفع بها مجدّداً نحو مسارات المواجهة والصدام المباشر، بسبب" سياسة القوة"، التي ينتهجها المحور الأميركي/ الإسرائيلي إزاء المنطقة.
وفي إطار تحليل تفاعلات إقليم الشرق الأوسط، في خضم الصراع الأميركي/ الإسرائيلي مع إيران، وعوامل تصعيده أو تهدئته، ومساراته المستقبلية، يمكن الوقوف أمام أربع ملاحظات: أولاها؛ تتعلّق بانعكاسات السياسة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب تجاه إيران على المنطقة؛ إذ تبدو واضحةً عودة واشنطن إلى سياسة" الحد الأقصى من الضغوط/ العقوبات" على طهران، سيما مع تفاقم معضلة الخيارات الأميركية، بين شنّ حرب واسعة غير مضمونة النتائج وإعطاء الخيار التفاوضي" فرصة أكبر"، بضغط من حلفاء واشنطن في الإقليم.
بيد أن جوهر المشكلة يتعلّق أساساً بقصور السياسة الأميركية تجاه إيران، (وكذا غياب الاستراتيجية الكبرى عن سياسات واشنطن في إقليم الشرق الأوسط)، كما تكشفه ثلاثة أمور متداخلة: أولها، اقتصار مقاربة ترامب على" العصا الغليظة بدون أية جزرة"، أو" غلبة التهديدات/ العقوبات، وغياب المكافآت"، بالتوازي مع تفاقم" انعدام الثقة المزمن" بين الطرفين، و" اجترار" واشنطن تهديداتها باستهداف المرشد الأعلى، علي خامنئي، ما يذكّر بتفاقم تناقضات السياسة الأميركية تجاه حركة حماس وغزّة، سيما بعد فوز ترامب بالانتخابات الرئاسية 2024، وتهديداته" حماس" ب" الجحيم" إن لم تسلم المحتجزين الإسرائيليين، من دون تقديم أي شيء للحركة في المقابل.
وثانيها تصاعد التأثير الإسرائيلي في قرارات إدارة ترامب، خصوصاً تجاه قضية فلسطين وملف إيران النووي؛ إذ تريد حكومة الاحتلال، برئاسة بنيامين نتنياهو، إرغام إيران بالقوة على التنازل عن كل مشروعها النووي وبرنامجها الصاروخي الباليستي (مثلما فعلت بالقوة الغاشمة في حرب الإبادة على غزّة، أكثر من عامين)، بمعنى التوسّع في توظيف إسرائيل (بدعم أميركي واضح) نتائج حرب غزّة على مستوى إقليم الشرق الأوسط برمته، سيما في إيران والخليج.
وثالثها مبالغة ترامب في تقويم نتائج أسلوبه في أزمة فنزويلا (وكذا في أزمات غرينلاند وأوكرانيا.
إلخ)، علمًا بأن تداعيات هذه الأزمات لا تزال تتوالى، ولا يمكن استبعاد احتمال أن تنقلب ضد واشنطن، في المديين القريب والمتوسط.
قد تنتهج إدارة ترامب تصدير الأزمات الداخلية نحو الخارج، والتغطية عبر التصعيد الخارجي، أو على الأقل إعطاء" الضوء الأخضر" لتوسيع دور الحليف الإسرائيلي.
وعلى الرغم من انتهاج واشنطن أسلوب" الخداع الاستراتيجي"، في الجولة الأولى من الحرب الإسرائيلية/ الأميركية على إيران (13- 24 يونيو/ حزيران 2025)، تبدو الظروف المحيطة مختلفة هذه المرّة، في ثلاثة جوانب: أولها مظاهرات ناشطين أميركيين في مينابوليس، احتجاجاً على سياسات ترامب، الذي يعاني انخفاض شعبيته، إضافةً إلى تداعيات وثائق جيفري إبستين التي أفرجت عنها وزارة العدل الأميركية (كلاهما يلعب دوراً في إضعاف الأساس الداخلي للسياسة الخارجية الأميركية).
وثانيها" تصدع الثقة" بين أعضاء حلف الناتو، وانعكاسات نهج ترامب في تجاهل مصالح الأوروبيين وإصراره على رضوخهم لمطالبه، ما يدفع أوروبا إلى تنشيط علاقاتها التجارية مع الصين والهند، في رحلة البحث عن أوراق إضافية، توازن" غلوّ" سياسات واشنطن في هذه المرحلة.
وثالثها تفاقم مأزق" المصداقية" الأميركية في الإقليم، ما يعني أن إدارة ترامب قد تنتهج تصدير الأزمات الداخلية نحو الخارج، والتغطية عبر التصعيد الخارجي، أو على الأقل إعطاء" الضوء الأخضر" لتوسيع دور الحليف الإسرائيلي، في فلسطين والإقليم عموماً، علماً بأن ثمة عاملين في هذا السياق، قد يلعبان دوراً في تقييد" اندفاعات ترامب"؛ أحدهما، " تعطشه" لأي إنجاز في سياساته الخارجية لتعزيز حظوظه في نيل جائزة نوبل للسلام.
والآخر، موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.
تتعلق الملاحظة الثانية بالأبعاد الإقليمية في الصراع الأميركي الإيراني، وصعود أثر العامل الخليجي والتركي (والباكستاني والمصري، بدرجة أقل) على سياسات ترامب، سيما بعد العدوان الغادر على قطر (9/9/2025)، الذي غيّر البيئة الاستراتيجية للخليج، وأتاح" فرصة نادرة" للضغط على واشنطن، بغية دفعها إلى كبح جماح التغوّل الإسرائيلي على الإقليم، خصوصاً مبالغة تيار اليمين الصهيوني الإسرائيلي في لعب دور" القوة الإمبريالية الصغرى" في المنطقة.
وعلى الرغم من حصول متغيرات إقليمية" إيجابية" بعد استهداف الدوحة، ومنها تطور/تحسّن العلاقات التركية مع السعودية ومصر (زيارة الرئيس التركي أردوغان 3-4/2/2026 الدولتين)، فإن تحليلًا متأنياً لجملة هذه المتغيرات قد يكشف أنها لم ترتقِ، أقله حتى الآن، إلى مستوى تشكيل تحالفات (ناهيك عن الحديث عن بزوغ محاور إقليمية دفاعية/ أمنية جديدة)، بالإضافة إلى عدم المبالغة في أثر توطيد العلاقات الثنائية وزيادة مستويات التنسيق السياسي والتعاون الاقتصادي بين أنقرة والرياض والقاهرة.
جوهر المشكلة يتعلّق أساساً بقصور السياسة الأميركية تجاه إيران.
وإذا افترضنا وجود" محور إقليمي" تركي سعودي مصري باكستاني، فإن دوره كان محدوداً جدّاً في وقف حرب الإبادة الإسرائيلية على غزّّة؛ إذ أحجمت هذه الدول عن استخدام أوراق قوتها في الضغط على واشنطن، سيما ما يتعلق بإخفاق القمة العربية الإسلامية في الرياض (11/11/2023) في تنفيذ بيانها الختامي، خصوصاً البند الثالث" كسر الحصار على غزّة، وفرض إدخال قوافل مساعداتٍ إنسانيةٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ ودوليةٍ؛ تشمل الغذاء والدواء والوقود، إلى القطاع فوراً، ودعوة المنظّمات الدولية إلى المشاركة في هذه العملية، وتأكيد ضرورة دخول هذه المنظّمات إلى القطاع، وحماية طواقمها وتمكينها من القيام بدورها الكامل، ودعم وكالة الأمم المتّحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)".
تتعلق الملاحظة الثالثة بالدور الإيجابي للدبلوماسيات الخليجية، سيما القطرية والعُمانية والسعودية، في تخفيض حدة الصراع بين واشنطن وطهران، على نحو يكشف ثلاثة أمور؛ أولها أن منظور هذا الثلاثي الخليجي لا يرى الخلافات الخليجية الإيرانية بوصفها" نزاعاً صفرياً" (Zero- Sum Game)، خصوصاً بعد تصاعد" التهديد الاستراتيجي الإسرائيلي" لكل دول إقليم الشرق الأوسط (بما يشمل إيران وتركيا والسعودية وقطر ومصر).
وثانيها فشل إسرائيل في تسويق نفسها" حليفاً إقليمياً موثوقاً"، سيما بعد حرب الإبادة على غزّة والعدوان على قطر، اللذين عزّزا صورة إسرائيل" دولةً مارقة" لا تفتأ تنتهك قواعد القانون الدولي وسيادة الدول الإقليمية، ولا تلتزم اتفاقاً ولا تهدئةً ولا تفاهماً مع أحد.
وثالثها بروز مقاربة جديدة في السياسة الخارجية السعودية تقوم على" تهدئة" الصراعات العربية والإقليمية، منعاً للتوظيفات الإسرائيلية، سيما في المناطق القريبة جغرافيّاً من المملكة (اليمن، السودان، الصومال، البحر الأحمر).
تتعلق الملاحظة الرابعة بالدور الإسرائيلي في تحريض واشنطن على إيران ودول المنطقة عموماً، وجاهزية الأجهزة/المؤسسات الإسرائيلية للتحرك نحو" جر" السياسة الأميركية لتحقيق أهداف تل أبيب، وتأكيد حقيقة أنها" الحليف الأوثق" لواشنطن في إقليم الشرق الأوسط، على نحو يعكس نمطاً من العلاقة الخاصة بين الطرفين، خصوصاً في الأحداث/ الأزمات الإقليمية والدولية المفصلية (مثل أحداث 11 سبتمبر2001، والاحتلال الأميركي العراق 2003، وإجهاض موجات الثورات العربية منذ 2011، والحرب الروسية على أوكرانيا منذ 2022، وحرب الإبادة الإسرائيلية على غزة في العامين الماضيين، وحرب الـ12 يوماً على إيران عام 2025، وأخيراً الدور الإسرائيلي البارز في تأجيج التوتر الأميركي الإيراني الراهن).
تبدو واضحةً عودة واشنطن إلى سياسة" الحد الأقصى من الضغوط/ العقوبات" على طهران، سيما مع تفاقم معضلة الخيارات الأميركية.
يبقى في الختام التأكيد على ثلاثة أمور: أولها أن صراعات إيران الخليجية والإقليمية، ليست مستحيلة على الحلول، باستثناء الصراع الإيراني الإسرائيلي، الذي يأخذ تدريجيّاً طابعاً صفريّاً، خصوصاً كلما حاول نتنياهو جرّ الموقف الأميركي إلى مربع" الحرب الشاملة" مع إيران.
وثانيها ضرورة استمرار السعودية وقطر وتركيا ومصر في الضغط على الإدارة الأميركية لتبني مقاربة إقليمية أكثر توازناً، خصوصاً تجاه قضيتي فلسطين وإيران، وعدم فسح المجال لتعاظم الدور الإسرائيلي في" الانفراد" بالتأثير على سياسات واشنطن في المنطقة.
وثالثها أن سياسات اليمين الإسرائيلي المتطرّف، المدعومة أميركيّاً، قد تقود إقليم الشرق الأوسط برمته إلى" سيناريو الفوضى الشاملة"، وقد تكون أحد جوانب الفوضى هو انتشار البرامج النووية السلمية، مع تصاعد احتمالات تحوّل بعضها إلى برامج عسكرية، ما دام منطق المنظور الواقعي في العلاقات الدولية يقول باستحالة استمرار الاحتكار النووي الإسرائيلي في الإقليم، واستمرار إسرائيل في تعريف أمنها بأنه" أمن مطلق"؛ بمعنى أنه لا يتحقق إلا على حساب كل دول الإقليم وشعوبه، وفي مقدمها الشعب الفلسطيني، الذي لا يزال يعاني ويلات الدعم الأميركي للتفوق العسكري الإسرائيلي، على كل جيرانها العرب والأتراك والإيرانيين.
يبقى القول إن نجاح التحريض الإسرائيلي على إيران ودول إقليم الشرق الأوسط ليس" قدراً مقدوراً"، وأن نافذة الفرص ومساحة المناورة أمام الإقليم، تتحسّن عبر زيادة" التماسك" / التعاون الإقليمي، في مواجهة الضغوط الأميركية الإسرائيلية، وصولاً إلى تدشين" منظومة أمن إقليمي جماعي"، بين العرب والأتراك والإيرانيين، تقوم على ركيزتين: إحداهما دعم قضية فلسطين وحقوق شعبها، والأخرى عزل إسرائيل ومعاقبتها ومحاسبتها، وليس تعزيز مسارات التطبيع العربي والإقليمي معها، على الصعد الاستراتيجية والسيبرانية والاقتصادية والسياسية.
إلخ، ما يفتح الباب واسعاً أمام تعظيم إمكانية التصدي للاستراتيجية الصهيونية الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية، توطئةً لتفكيك الكيانات العربية والإقليمية وإضعافها، وإعادة زج المنطقة، مراراً وتكراراً، في صراعاتٍ لانهائية، تؤدي إلى استنزاف الجميع لصالح إسرائيل، بما يخدم استمرار هيمنة المشروع الأميركي/ الإسرائيلي، على هذا الإقليم المنكوب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك