لا داعي لمزيد من تبشير المؤمنين وتأكيد المؤكّد: العالم مع دونالد ترامب وأضرابه يعيش أسوأ الأيام منذ النازية.
الرجل وحش كاسر يمكّنه فائض القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية وضعف الخصوم من تنفيذ تهديداته.
لا يحترم إلا القوة والأقوياء، والأخلاقيون والليبراليون والديمقراطيون بالنسبة إليه ضعفاء جبناء لا يستحقون صفة الحلفاء.
لا مشكلة لديه في نشر الخراب إن كان يخدم مصلحته الشخصية أو المصلحة الأميركية بتعريفها الضيّق.
درْس فنزويلا وخطف رئيسها نيكولاس مادورو مرشّح للتكرار في أماكن عديدة، إيران أحدها وأبرزها هذه الأيام.
وإيران في الذكرى السابعة والأربعين لانتصار ثورة الخميني التي تحلّ اليوم الأربعاء، أكثر من إيران واحدة، فيها أكثر من أخبار مفاوضات عباس عراقجي مع ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.
فيها مجتمع راغب بالتحرّر من سلطة دينية مؤسّسها كان يؤمن بأن المحامي والقضاء والمحاكم الوضعية من التأثيرات الغربية البغيضة على المجتمعات الإسلامية.
مجتمع يريد التخلص من حرس ثوري ومن منظّري" الموت لنا عادة".
لكن في هذه الإيران أيضاً جيل متمسك بالسلطة المذكورة أعلاه، وهذان الجيلان لا تجمع بينهما على الأرجح إلا حقيقة أن كليهما سيكونان ضحية لحرب قد يشنها دونالد ترامب مع بنيامين نتنياهو أو من دونه.
ولدى تذكّر أن ترامب ليس عضواً في نادي تغيير الأنظمة، تحضر التجربة الفنزويلية مجدداً، فهناك بقي جميع رموز النظام في أماكنهم من دون مادورو، ووجدوا أنفسهم مضطرين لتقديم تنازلات هائلة في السياسة والاقتصاد وحسناً فعلوا لعلمهم أن غير ذلك سيكبّد البلد دماراً هائلاً وحرباً أهلية.
لطالما قيل إن النظام الإيراني عقلاني غير انتحاري وحساباته السياسية مدروسة على خلاف مليشياته المنتشرة في العراق ولبنان واليمن.
لكن سلوك القيادة" الحقيقية"، وليس المقصود رئيساً كمسعود بزشكيان انتُخب إصلاحياً فوجد نفسه رهينة بيد المحافظين، لا يوحي بعقلانية توازي شيئاً من جنون ترامب وإدارته ودموية تلك الحاكمة في إسرائيل.
امتلاك العقلانية في هذه الظروف يحتّم فهم أن القوة الإيرانية التي يخبروننا عنها رأينا محدوديتها في حرب الأيام الـ12 يوماً في يونيو/ حزيران الماضي هزيمةً ساحقةً.
العقلاني ملزم هذه الأيام بالاعتراف في دوائره الضيقة على الأقل بأن ميزان القوة الإيرانية مقارنة مع تلك الأميركية والإسرائيلية شبيه بوضع أحدث سيارة فيراري في منافسة مع رينو ذات الحصانين.
والعقلاني الإيراني، لكي يذكره التاريخ بالخير، عليه أن يدرك اليوم أن التنازل حتمي إما لترامب بعد الهزيمة أو لشعبه قبلها.
التنازل لترامب معروفة وصْفته: إطاحة كبار رموز النظام بحرب تطول أو تقصر، أو بعملية شبيهة بليلة كاراكاس وإيجاد مجموعة من المسؤولين الحاليين مستعدة للتعاون مع واشنطن وتلبية شروطها في الصواريخ والنووي والعلاقة بإسرائيل والتخلي عن أدوات تصدير الثورة في البلدان العربية، فتندلع حرب أهلية تختلط فيها كل المكوّنات الدينية والمذهبية والعرقية والمناطقية والقبلية، وعلى البلد السلام.
أما التنازل للشعب، فهو عكس ما يفعله المحافظون وأجهزتهم الأمنية وقضاؤهم هذه الأيام اعتقالاتٍ جماعية بحق قادة تيار الإصلاحيين الذين يريدون بلدهم" طبيعياً" بلا مزيد من المطامع التوسعية وبمنسوب حريات أعلى وبتمييز أقل بين المواطنين.
أما التهم فتدور في فلك احتجاجات ــ مجزرة الشهر الماضي، وبلغة لا تستحضر إلا أدبيات البعثيين: ترويج نهج الاستسلام، والانسجام في المواقف مع إسرائيل والولايات المتحدة، واستهداف التماسك الوطني واتخاذ مواقف مناوئة للدستور والتنسيق مع الدعاية المعادية وتحريف مسار الجماعات السياسية ثم طبعاً إنشاء آليات سرية ذات طابع إسقاط نظام الحكم.
إن كان ترامب حسم قراره فعلاً بالحرب على إيران، فإنّ ذلك يعزّز الحاجة إلى تنازل حكام طهران لشعبهم قبل الطوفان، إن كان هناك فعلاً حرص لكي يبقى البلد موحداً وينجو من حرب أهلية، بقي النظام أو سقط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك